الجمعة، 5 يونيو، 2015

سماء حزيران، وأنين القهوة فيه!

الحادي والثلاثين من أيار ٢٠١٤، يوم على دخولي عقدي الرابع، لكأن الوقت بات يمضي أسرع من ذي قبل، والمؤكد أنك تصبح أكثر إحساساً بالأشياء، وأكثر إدراكاً للأمور.

القهوة، لم تكن لذيذة في صباح الحادي والثلاثين من أيار ٢٠١٤، كانت شديدة المرارة، والحبوب الشقراء تطغى على السوداء فيها، استطعت تمييز ذلك على الرغم من استعجالي في ارتشافها!

الساعة الرابعة بعد الظهر، هل كان طعم القهوة لذيذاً في الصباح؟ لا أدري؛ لربما كان كذلك، ولربما لم أرها أنا كذلك لاستعجالي في ارتشافها، فالقهوة لا تُشرب على عجل، هلّا استرقت فنجاناً من القهوة في رابطة الكتّاب الأردنيين أثناء التحضيرات لفعالية الذكرى السنوية الثالثة لانطلاقة راديكال!

جاء رنين الهاتف ليقطع عليّ انشغالي بارتشاف قهوة لذيذة، صوت مرتعد من وراء الهاتف: "أخوك كثير تعبان، أحمد بموت"!

وأنا في طريقي إلى مستشفى الحسين للسرطان كانت القهوة تشغل حيّزاً صغيراً من تفكيري الذي انشغل بمن يرقد في المشفى بين الحياة والموت، لا بأس تبدو الليلة طويلة، سأنام في المستشفى إلى جانبه، وسأقضي الليل ما بين الاطمئنان على نومته وما بين السجائر والقهوة على باب المستشفى، هل قهوة المحل الصغير على باب المستشفى لذيذة؟

لم أستطع يوماً تمييز ذلك، لا أعرف السبب، لربما بسبب حالة القلق الدائمة على أحمد، لم أُميِّز ذلك مع أنني أعشق القهوة وأدعي أنني أتقن وأحترف تحضيرها!

ضجيج المستشفى، أجهزة التنفس الاصطناعي تثقل كاهل أحمد، الجميع يلتف حوله، منّا من يبقى إلى جانبه في الليل، ومنّا من يفعل ذلك في الصباح، نتبادل الأدوار دائماً، ولكن حصتي من أحمد كانت في الليل، وقهوتي التي تنتظرني كانت دائماً في الليل!

الساعة الحادية عشرة، الحادي والثلاثين من أيار ٢٠١٤، الكثير من الأصدقاء ورفاق العمل العام ينتظرون أمام الباب للاطمئنان على أحمد، أذكر جميع الوجوه، المجامل منها والقلق، كل هذا، ولم أكن لأدرك أنني على بعد ساعتين من ارتشاف القهوة التي ستكون الألذ في حياتي، والتي ما زلت أبحث عن طعمها حتى يومنا هذا!

الواحدة بعد منتصف الليل، دخل يوم جديد، الأول من حزيران، هل حقاً يختلف طعم القهوة في حزيران؟ هو ذاته سؤال المطر، مطر حزيران!

أنس وإيهاب يؤانسان وحدتي على باب المشفى، وأنا أسهب في شرحي لهم عن حالة أحمد الذي تمكن المرض من كافة خلايا جسده، سأطلع للاطمئنان على أحمد وأعود لكم، إيهاب متسمّر في مكانه، وكأن قلبه حدثه باقتراب رحيل أحمد فآثر عدم رؤيته على هذه الحالة!

أحمد يغرق في النوم، وأنا لا أطيق رؤية جهاز العذاب الاصطناعي يقتص من رئتيه، أعود إلى أنيسيّ لأجد ثالثهم قد وصل، صاحب الوجه الجميل والابتسامة الملائكية والصوت الرخيم، إبراهيم.

"أبو ماجد"!!! أذكر تماماً كيف احتضنتني حتى أحسست بأنني أحد أولادك!!! ماجد أو كارم أو حتى الأميرة الصغيرة سلمى، حنانك في تلك الليلة كان غريباً واستثنائياً، وفوراً بدأنا الأحاديث مع السجائر التي لا تنتهي، ماذا ينقصني؟ القهوة بكل تأكيد!!!

أصرّ إبراهيم في تلك الليلة أن يعطيني قهوته، وذهب ليحضر فنجاناً آخر له! واستمرت أحاديثنا إلى الثانية فجراً، وكان لسنوية راديكال نصيب الأسد من حديث إبراهيم، وكان للضحك السواد الأعظم من ليلتي وأنا أستمع لبعض الأمور الظريفة التي تخللت السنوية من إبراهيم!

قضيت ليلتي بجانب أحمد بعيد مغادرة جلّاسي، وطعم قهوة إبراهيم وجد له مستقراً في الذاكرة، كم كانت لذيذة!!!

أيام قليلة وستعرف أنك لم ولن ترتشف قهوة بلذة تلك القهوة!

صباح الأحد الأول من حزيران ٢٠١٤، جاءت هديل لأغادر أنا إلى المنزل بعد قضائي لليلتي عند أحمد، النوم كان ينتظرني هناك، كان يوماً خالياً من القهوة، هل سأصوم عنها بعدما شربت ألذها؟

الثاني من حزيران ٢٠١٤، كان يوماً للسماء، يوم تمكّن السرطان من أحمد فأرداه شهيداً!

الثاني من حزيران ٢٠١٤، لم أستطع النوم في الليل حتى ساعات الفجر الأولى، قضيت الليلة التي سبقتها في المستشفى معه، الإرهاق والتعب نالا من هذا الجسد، فأمسى مقهوراً متعباً لا يملك حتى القدرة على القتال!

صباح الثاني من حزيران ٢٠١٤؛ يبدو شكل السماء غريباً، صوت المذياع في سيارة الأجرة تشوبه كل ضربات السنين، عقل ينشغل بمن يرقد في المستشفى، وطريق إلى العمل اعتدتها كل يوم، حتى بت أحفظ شكلها بكامل التفاصيل عن ظهر قلب!

أقول لمن أحب دوماً بأنني أخشى تلك الأيام التي أستيقظ فيها من النوم وفي صدري غصة ما، فغالباً ما تحمل لي تلك الأيام المشاكل والهموم، ولكنها لم تحمل إليّ يوماً رائحة الموت!

الموت! وهل له رائحة؟

تتزاحم الأفكار دوماً في الصباح، تماماً كما تتزاحم المشاعر في الليل، نعم يبدو شكل السماء غريباً في هذا اليوم، لعلّها لعنة الاثنين! من يدري!

في العمل، بعض الوجوه أضحت تعرف حالاتي كلها، ولكن الوضع اليوم كان استثنائيّاً! هل حقاً يبدو شكل السماء غير مألوف في هذا الصباح!

عندما يبدأ الهاتف بالرنين، وتبدأ ضربات قلبك تعلو مع ارتفاع نغمته الموسيقية، تبدو الأمور أكثر تعقيداً، ولكن كل ذلك قد لا يبدو منطقياً، فالسماء جميلة جداً في هذا اليوم!

ليس رنين الهاتف وحده من يجعل تلك الضربات تقرع كطبول الحرب، بل الصوت القلق من خلف الهاتف يصرخ هلعاً من خشية فقدان حبيب ما، هل تبدو السماء أكثر زرقة بالفعل؟ لربما كانت كذلك، فقد منعني الطريق من العمل إلى المستشفى من ملاحظة ذلك!

الساعة الثانية بعد الظهر، الثاني من حزيران ٢٠١٤، رائحة الدواء تملأ المكان، أناس يلتفون حوله ويحجبون عنه حتى الأنفاس الأخيرة التي لم يعد يقدر على أخذها لوحده! سماء لا تستجيب، هل ما زالت زرقاء بالمناسبة؟

أنت؟ لماذا أنتَ هنا؟ هل جئت حقاً للاطمئنان على صحتي؟ اطمئن، سأرحل بعد قليل! وأنت، ألم تظلمني كثيراً حتى بات لون السماء يميل إلى السواد دوماً في نظري بسببك؟ بالمناسبة؛ لم أرَ شكل السماء منذ أيام، فأنا طريح هذا الفراش في المستشفى، كيف هو شكلها اليوم؟

أنت؟ ألم تطردني من بيتك في أحد الأيام؟ وأنت، ألم تتمنى موتي لأن السرطان الذي تمكن من كافة خلايا جسدي بات عبئاً عليك؟ ماذا تفعلون كلكم هنا؟ لم يجبني أحد منكم، كيف هو شكل السماء اليوم؟

الرابعة بعد الظهر، الفوضى تعم المكان، طبيب في الحجرة ليتأكد من الموت الذي عرفت أنه يحوم في المكان من رائحته، أناس يفترشون الأرض، مشعوذون، تمتمات شيطانية، دموع تسيل بسهولة وبلا أي معنى، ودموع شامخة تبقى حبيسة عيون صاحبها، شامخة؟ باسقة؟ هل لامست أديم السماء؟ السماء؟ ما لونها في الخارج؟ سمعت أن الغيوم بدأت تحيط بالشمس، هل ستمطر في حزيران!!! كيف سأخرج؟ ليس معي ما أتقي به من المطر!

لقد باتت الحجرة فارغة إلّا منك ومن بعض الممرضين يا أحمد، لماذا ترتدي اللون الأبيض؟ ما كل هذا الضجيج؟ وما كل هذا النحيب؟ بكاء بلا معنى؟ بكاء الظالم لأن المظلوم قد رحل؟ وجع الفراق لمن أبى أن يشاطرك المسكن! ما كل هذا؟ ثلّاجة الموتى!!! سماء لا تدري ما لونها! ودموع ما زالت عصية على الانهمار، شامخة كجبل لا يهتز من الريح!

خلاف على إعلان الوفاة! أين سيتم العزاء؟ في أي ساعة ستبدأ مراسم الدفن؟ من سيقدم الغداء لأهل المتوفى في أيام العزاء الثلاثة؟ كيف ستكون السماء غداً؟ صافية أم ملبدة بالغيوم؟ هل انتهينا من كافة الترتيبات؟

يعود الليل من جديد، تسكن الكائنات كلها، يسكن الجميع، القمر فوق كتف الوطن، أحبابنا تحت التراب ينامون النومة الأبدية، تطاردنا ذكرياتهم، وتلاحقنا ضحكاتهم، آخر همساتهم، والأفكار التي سكنت رؤوسهم قبيل دقائق من الرحيل!

يعود مع ألم لا يُحتمل، وحزن يملأ الدنيا!

ودمعة ما زالت عصية على أعدائها! وسماء بات لونها شديد السواد، فهي بلا قمر يضيء عتمتها!

الحزن يملأ المكان، والدموع بدأت تجد مكاناً لها على الوجنتين، ففي الليل لا يراكَ أحد وأنتَ تبكي إلّاك! والسماء من شدة الحزن بات لها لون صعب التمييز، مع أن الواضح أنه يميل إلى السواد!

في مفردات الذاكرة، الثاني من حزيران ٢٠١٤، مطبوع بتفاصيله الدقيقة، والصغيرة، الألوان القاتمة، نظرات العشّاق في الأماكن العامة، طعم القهوة، قطرات الندى تعتلي أوراق الأشجار، السجائر التي لم تنطفئ لكثرتها!

والدموع الحبيسة، وشكل السماء!

كيف مرت الأيام، لا أدري، لكأنه كان بالأمس، لكأن الليالي التي قضيناها على أبواب المستشفيات كانت بالأمس، كيف يأتينا الموت فجأة؟ فنمسي في عداد من رحلوا!

الشوق، الاشتياق، تلك المشاعر التي قد تقتلك لو تمكنت منك، والكارثة أنها تأبى أن تتركك وشأنك، ضحكات عيونهم الثابتة، وطريق النحل!

الثالث من حزيران ٢٠١٤، الحزن يلف المكان، أتشح أنا بالسواد، والطريق بدت قصيرة جداً إلى سحاب -مثوى أحمد الأخير-، وعلى الرغم من كل هذا تنقصني القهوة لأستعيد القدرة على التركيز، ذلك بأن اليوم كان مليء بالآلام؛ تغسيل الميّت! دفنه! انطلاق مراسم بيت العزاء! لمن تلك اليدين التي تمسك بكتفيّ عند قبر أحمد؟ أين القهوة؟

هبوط لأحمد في القبر، الجميع يساعد، على الطرف هناك من يلقي نظرة الوداع عليه، وعلى طرف آخر فضولي يراقب كيف تتم عملية الدفن، وأنا سارح في أحزاني، ويدان تمسكان بكتفيّ تبعثان الاطمئنان في نفسي يا إبراهيم، مشعوذ يأتي ويذهب بابتسامة خبيثة، وأحدهم ينتحب على القبر بلا معنى، هي عقدة الذنب على ما يبدو!

بدأ العزاء، الكثير من القهوة العربية، إنها تفي بالغرض، وأنا ما زلت أبحث عن طعم قهوة إبراهيم في كل مكان!

مساء الرابع من حزيران ٢٠١٤، ها إنتَ تُطل عليّ بطلّتك البهية، ضحكات عيونك الثابتة، سحر حضورك، أين القهوة؟

أحاديثك التي لا تنتهي مع كبار السن، أعرف تفاصيل ذلك الحوار الأخير في مجلس عزاء أحمد، ولكن الأمر الذي لا يفارق الذاكرة؛ تلك النظرة التي رمقتني بها مع ابتسامة عجيبة بأن اطمئن، وحواركَ مع أحدهم يوشك على الانتهاء! هل أعجبتكَ القهوة؟

تركتَ بيت العزاء، وتركتني أنظر صوب الباب لعلّك ترجع، وجودكَ يشعرني بالأمان، أما الساعات التي بدأت تمشي وكأنها في سباق مع الزمن؛ فما كنتُ لأتوقع ولو للحظة أن تحمل لي ما حملت! لم يبقَ قهوة في بيت العزاء!

الواحدة بعد منتصف الليل، يوم جديد؛ الخامس من حزيران، لم يكد ظهري يلامس الفراش، حتى سمعت صوت إيهاب من خلف الهاتف: "إبراهيم قلبه وقّف"، ولم يكن لهذا الجسد سوى أن ينتفض ألماً ويخرج باحثاً عن وجه إبراهيم في شوارع عمّان، أو لربما في أحد فناجين قهوتها!

على باب غرفة إنعاش القلب في مستشفى الجامعة الأردنية تكدّسنا، الجميع قلقٌ هنا، وأنتَ تنام في الداخل بسكون قلّما اعتدته منك، تبدو ملامحكَ أكثر وضوحاً، الشيب كَثُرَ على جانبي رأسك، لا تتركنا، عاد نبضك، يا من كُنتَ نبضي، واسترقت لحظة لأرتشف بعض القهوة على باب المشفى!

طرقات المشفى خلت إلّا مني ومنكَ يا أنس، وإبراهيم يرقد في غرفة العناية الحثيثة بعدما عاد قلبه لينبض نبضاته الأخيرة دون حراك؛ أنس؟ طلال؟ هل ما زلمتما هنا؟ أحضرا لي بعض القهوة واجلسا إلى جانبي لأتلو عليكم كلماتي الأخيرة، نعم، لا بأس بفنجان من القهوة!

إنه الفجر، أليس كذلك، وهو الخامس من حزيران، ذكرى النكسة ونجاح الصهاينة في اقتلاع ما تبقى من الأرض، سأكتفي بذلك، فما بقي تعرفانه جيّداً، انتبهوا جيّداً لأنفسكم، لصداقتكم وأخوّتكم، لإخوتكم وأبي وأمي وأمرائي الصغار، ولا تنسوا أن للقهوة نكهة خاصة حينما تشربونها برفقة من تحبون!

السابعة صباحاً، ذات الانتظار على أبواب المستشفيات، ذات القلق والريبة، ذات ساعات الانتظار المليئة بالشك، ذات السجائر، ولكن لم تكن ذات القهوة يا إبراهيم!

إيهاب يصّر على أن أعود إلى البيت لأن هذا اليوم سيكون آخر أيام بيت عزاء أحمد، القلب لا يحتمل يا إيهاب، اتركني هنا لأطمئن عليه، لا أشعر بالتعب أبداً، ولا تقلق فالقهوة موجودة؛ لن أشعر بالنعاس!

الخامس من حزيران ٢٠١٤، الذكرى السابعة والأربعين للنكسة، الساعة الرابعة والنصف عصراً، في بيت عزاء أحمد مع الكثير من السجائر والقهوة العربية، أنتظر أن يرن هاتفي ليقول لي أحد ما بأن إبراهيم أفاق مما هو فيه، ولكن دون جدوى، أصدقاء في العزاء يعدون بأن يستطلعوا لي الأمر ويتصلوا بي لينقلوا إليّ الصورة، يأتي الهاتف بعد قرابة الساعة، يدي ترتجف، لا أريد سماع خبر موت جديد، ولكنه كان كذلك!

رحل إبراهيم، هكذا؛ كيف؟ لا أفهم رحيلك! أما الدمعات العزيزة فقد بدأت تقاتل المُقَل وتنتفض معلنة عصيان الأوامر، أعطوني سيجارة والقليل من القهوة!

الساعة الحادية عشرة، عاد الليل، لم يكن لقاؤنا عادياً، إيهاب أتذكر كلماتك جيداً، نزار أذكر دموعك جيداً، أما رفيق دربي ومستودع أحزاني وأفراحي أنس؛ فذاكرتي ترفض أن تمسح أي ثانية من تفاصيل لقائنا! إبراهيم؛ لم يعد للقهوة طعم أبداً.

لا يمكن لكَ أن تحبّ أحد عينيك أكثر من الأخرى، هكذا هم إبراهيم وأحمد.

عودوا أنّى كُنتُم غرباء كما أنتم، فقراء كما أنتم، يا أحبابي الموتى عودوا، حتى لو كُنتُم قد متّم!

يا موتانا، ذكراكم قوت القلوب، لا تنسونا حتى نلقاكم، لا تنسونا حتى نلقاكم!

أحمد عبدالله ... دمتَ أجمل مفردات ذاكرتي!


إبراهيم العكرماوي .. دمتَ أعذب مفردات ذاكرتي!