الثلاثاء، 3 ديسمبر، 2013

رحل نجم، فأنار القمر! - بقلم طلال عبدالله

لقد آثر الرحيل بصمت، حينما تأكد بأن جيلاً من "الشباب" سيواصل المسير، آثر الرحيل دون أن ينبس ببنت شفة، عندما تأكد بأن هذا العالم سينصف الفقراء في وقت قريب، هؤلاء الذين نصبوه أميراً لهم، ولربما الناطق الرسمي باسمهم!

في مصر، كان شاعراً للـ "غلابى" والمقهورين، وفي العالم العربي كان "عدواً" لدوداً لكل من انتهج نهج السادات، وسار على دربه!

لربما كانت قبلتي على جبينه مساء السبت الموافق الثلاثين من تشرين الثاني/نوفمبر 2013، أي قبيل يومين من رحيله، هي من قتلته، ولكنني على ثقة بأنه رحيله لم يكن سوى حينما تأكد بأن جيلاً من الشباب يحمل الراية، لا راية الوطن، بل راية الفقراء والمهمشين والكادحين، ذلك ما أوصاني به في مقابلتي معه، التي لربما كانت آخر مقابلة مصورة عقدها في حياته!!

حينما التقيته، كان بسيطاً، حتى في ملابسه، يداعب كل من حوله بخفة ظله المعهودة، يطلق النكات التي كان يراها ميزة لدى الشعب المصري، يبتسم ابتسامة الواثق بالغد، وعلى الرغم من بساطته، إلّا أن حس الثقافة البسيط لديه، جعله يجيب عن أسئلتي بسلاسة منقطعة النظير.

المقابلة، التي ستنشر عبر مجلة راديكال خلال الأيام القليلة المقبلة حملت وصفاً دقيقاً من نجم النجوم عن تجربة عبدالناصر، ورثائه لناصر من المعتقل، وعن جولة ثالثة من الثورة المصرية، وعن الإخوان. عن تجربة درويش-مارسيل ونجم-إمام، وعن الشيوعيين واليسار.

أقولها اليوم والقلب تملؤه غصّة عجيبة، لقد تشرفت بأن أكون آخر من يتحدث للشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم في الأردن ولربما في العالم العربي، وتشرفت بلقاء شخص انتمى وبصدق للفقراء المهمشين.

أكتب هنا، وبشكل شخصي، بعيداً عن كل مقالات الفكر والأدب والسياسة والاقتصاد، فلا يلومن أحد عليّ عاطفتي التي تطغى على سطور هذه التدوينة، فهي ليست بمقال حتى، ولكنها سطور تكتب بقلم حزين، وبتوجيه من قلب نعى جيفارا بأجمل الكلمات، فرافقه "ساعة القضا من غير رفاقه تودعه"، ورحل عن هذا العالم في ذات العام الذي رحل عنه العظيم تشافيز، وكأن من تبقى من شرفاء هذا العالم بدأوا بالانسحاب منه بهدوء في العام 2013!!

كاسترو، أرجوك، من أعماق قلبي، أن لا تفعلها أنتَ الآخر في وقت قريب، أو في العام 2013 المشؤوم، فأنتَ، وبكلماتك التي قلتها لتشافيز قبيل رحيله: "لست مأذوناً بالموت بعد"!

"اسمع اللي بقولك عليه ده، امشوا ورا الشيوعيين، وما تخافوش منهم، الشيوعيين أشرف ناس قابلتهم في السجن وبرا السجن، والأيام اللي جايه ليهم وللشيوعية. أنا مش شيوعي، بس نفسي أعيش في ظل نظام شيوعي"، هكذا أملى نجم كلماته على مسامعي حينما وجهت له سؤالاً عن الحركة الشيوعية في مصر والعالم العربي.



لم يشيّد قصوره على المزارع، بل كان قريباً من شعبه، واحداً منهم، أنكر عليّ سؤالي حينما سألته عن تجمد التاريخ من السبعينيات وحتى 2011 فنيّاً وسياسياً، حينما عادت أغاني إمام-نجم لتصدح في ميدان التحرير.

قد لا يراه "المثقفون العاجيّون" قيمة شعرية حقيقية، هؤلاء الذين تملأهم مشاعر الاغتراب الحقيقي عن واقعهم، والذين لا يرون من شعوبهم سوى مجموعة من البشر المفتقدين للوعي والفكر والأدب!!

نجم، الذي يرى شعوبنا تمتلئ بالنجوم والأئمة بحسب ما قال لي في تلك المقابلة في إشارة منه لتجربته مع الشيخ إمام، كان ينتمي للفئات الشعبية الأكثر تهميشاً، فقد عبّر عنهم بكلماتهم، وبذلك، فستخلده تلك الفئات بكلماته، تلك التي نعت جيفارا وعبدالناصر، والتي بصقت في وجه نيكسون.

لن ننسى يا نجمنا بأن "المجد للمجانين في هذا العالم"، ليبقى اسمك "صابر"، وتهمتك "مصري"!

"إن كل شاعر يموت تضاء له نجمة في السماء، فكيف سيكون الحال إذا كان الشاعر "نجم""، كذلك يرى شاب يدعى ماهر القيسي رحيل نجم، أما أنا فلا أعلم إلى أين تأخذني هذه الأسطر، ولا إلى أين تأخذني هذه الورقة، ولكن على يقين اليوم بأن أبو النجوم خدعني، كما خدع الكثيرين، خدعنا بحق، حين رحل بصمت شديد.

لم يحدثني عن الرحيل في تلك "المقابلة الأخيرة"، ولم تقل عيونه ذلك حتى، ولكنه حدثني بعيونه عن ثقته بأن كلماته ستبقى صداً للكادحين، فيما سيبقى صوته دافعاً للمناضلين، الذين كان واحداً منهم، فيما ستبقى قصيدته بعنوان "بابلو نيرودا" أجمل القصائد في تاريخ الشعر العربي العامي، عندما استحضر سبارتاكوس، إليندي، لوركا، جيفارا، نيرودا .. أيا أشباه المثقفين!!!

يا عمّنا أحمد، باختصار، لقد كنت العيد والبهجة، تشع علينا وليس لنا إلا أن نتبعك!!


قصيدة "بابلو نيرودا" للراحل أحمد فؤاد نجم

شيلي البارود .. حطي الوعود
والتعليلات .. في المهملات
سفحوا الورود .. من عَ الخدود
والخضرة .. من قلب البنات
فين الأمان .. جنب الغيلان
يا ملفقين .. عصر التبات؟
لا الجرح بات ... ولا اتنسى
ولا التاريخ ... والذكريات
سيدنا الحسين
اسبارتاكوس
إلليندي
لوركا
عب رحيم
فلاح بلدنا اللي انشوى
قبل القيامة .. في جحيم

سينا الطعينة المزمنة
إرنستو ... جيفارا العظيم
خميس وبقري .. والشفيع
أدهم ... ومواله القديم
عقد العقيق اللي اتبدر ... من عهد سقراط الحكيم
زاد النهارده ... وانتظم
بالدرة .. والفص اليتيم

نيرودا ... زمار الصباح
نيرودا ...مزمار النسيم

صابحه الصبية
"سانتياجو"
تشرب لبنها من غناك
اتروعوا العصافير .. وهاجوا
لما نعيت البوم ... نعاك

وإنت الشهيد .. ملو البراح
جراح تعود المجروحين
ساعتين تشاور ... عَ الجراح
ينشد ضهر المطعونين
تتمدد إيدهم عَ السلاح
وبعزم ما في الموجوعين
تطعن في شريان الطاعون
تجهز
على الداء الدفين

الشمس تطلع بالصباح
ترمي الصباح ... على كل الإبد
حاضنه البنادق والجراح
بإيد وعافقه الناي .. بإيد

والشمس تطلع في النهار
فوق كل قصر .. وكل بيد
والشمس تسقط .. في الغروب
عن بابلوا نيرودا .. الشهيد

دوارة بتعدي السنين
يا أرضنا .. يا أم البنين
دوّارة بتعدي اللي فات
يا أرضنا يا أم البنات
كروب .. حروب
محن شعوب
كلاب .. عذاب
ضباب .. غروب
بروق ... رعود
شروق .. صعود

نضال .. سجال حرام
حلال .. والعدل كان
في كل آن
هو القضية
والرهان
والأرض عاشت من زمان مسرح لفرسان الميدان
سيدنا الحسين
اسبارتاكوس
جيفارا
لوركا
عب رحيم
نيرودا زمار الصباح

نيرودا ... مزمار النسيم





جانب من لقائي بالراحل: