الثلاثاء، 5 مارس، 2013

دخان غليونك غطى برلين!! – بقلم طلال عبدالله


هل كان ستالين آخر قيادات الاتحاد السوفياتي؟ هل شيطنت أمريكا ستالين؟ لماذا يدخل الشيوعبون دوماً في صراع داخلي حول شخصية ستالين؟ لماذا قام ستالين بتصفية تروتسكي؟ وهل فعل ذلك حقاً؟ ستالين أم تروتسكي؟ هل كان ستالين "ديكتاتوراً"؟ أم أنه كان القائد الذي هزم جيوش النازية وبنى الاتحاد السوفياتي ونقل مجتمعه نقلة نوعية؟

تعتبر شخصية القائد الثاني للاتحاد السوفياتي جوزيف ستالين أحد الشخصيات الجدلية في التاريخ، وتعتبر أحد أهم الشخصيات التي أسهمت بشكل مباشر في بناء الاتحاد السوفياتي. اليوم وفي الذكرى الستين لرحيله، وجب علينا أن نتناول شخصية الرجل بموضوعية، وأن نعرف تاريخ إنجازاته، وأن نرى محطات التاريخ التي أنصفت ستالين وأنصفها.

ولد جوزيف ستالين في الثامن عشر من كانون الأول/ديسمبر في العام 1878، ورحل في الخامس من آذار/مارس في العام 1953، عن عمر ناهز الـ 75 عاماً، قضاها ستالين في جورجيا بين قسوة الأب وحنان الأم، بين أب دائم الضرب له، وبين أم كانت تريد لابنها أن يصبح كاهناً.

طرد ستالين من مدرسته، وانخرط في العمل السياسي السري، وهو ابن 21 عاماً، وتبنّى المذهب الفكري للقائد فلاديمير لينين، مؤمناً بشعار لينين "الأرض والخبز والسلام"، لتمضي حياته عقب ذلك بين المعتقل والمنفى، إلى أن عمل في الحزب البلشفي، ليطلق عليه لينين لقب "ستالين"، والتي تعني "الرجل الحديدي"، وذلك عقب قيامه بإلقاء قنبلة يدوية على بين قدمي القيصر الروسي قبيل قيام الثورة البلشفية أثناء عمل ستالين في طلاء القصر مع مجموعة من العمّال.

وبدأ نجم ستالين بالظهور من خلال تدرجه في المناصب من المفوّض السياسي للجيش الروسي، مروراً بمناصب عديدة في الحزب الشيوعي عقب قيام الثورة البلشفية، وصولاً إلى رأس هرم الاتحاد السوفياتي عقب رحيل لينين.

عند وصول ستالين إلى رأس السلطة في الاتحاد السوفياتي ظهر الخلاف الشهير بينه وبين تروتسكي، فالأول آمن بنبذ فكرة الثورة العالمية الشيوعية لصالح الاشتراكية المحلية، الأمر الذي يناقض مبادئ تروتسكي المنادية بالشيوعية العالمية، في الوقت الذي يرى فيه الكثيرون بأن الصراع كان على السلطة.


ويرى الكثير من الرفاق في ستالين رجلاً بيروقراطياً، ويأخذ هؤلاء الرفاق مآخذاً عديدة على ستالين وطريقة إدارته للبلاد، ويرون بأن ستالين عزل بعض القيادات وقام بتصفية بعضها الآخر، وذلك لبسط سلطته المطلقة على البلاد، ناهيك عن إيمانهم المطلق بأن سيرة ستالين ملطخة بدماء الأبرياء، وبأن ستالين قضى على مخزون الاتحاد السوفياتي من العلماء والمفكرين ورجال الثقافة والمجتمع، فقط لكونهم عارضوا سياسات ستالين.

ويرون أيضاً بأن ستالين عمد إلى التطبيق الصارم للاشتراكية، ناهيك عن قيامه بحملات اعتقالات وإعدامات، هذا بالإضافة إلى قيامه بترحيل مليون ونصف المليون سوفييتي إلى سيبيريا وجمهوريات آسيا الوسطى، ومع أن السبب كان إمّا تعاونهم مع القوات النازية الغازية أو معاداتهم للمباديء السوفييتية. فإن بعض الرفاق يؤمنون بأن السبب الحقيقي يكمن في محاولة ستالين خلق توازناً عرقياً لكي يبتعد الشعب عن النزعات القومية للسلافيين ولكي يتسنّى لستالين إيجاد توازن إثني في الجمهوريات.

ولكن الدارس للتجربة الستالينية بتعمق وبتجرد، سيرى بأن ستالين كان رجل دولة، ذلك بأن إنجازات ستالين أسهمت وبشكل كبير في بناء الاتحاد السوفياتي، فقد استبدل ستالين الانتماء الديني للشعب الروسي بالانتماء الشيوعي، وحوّل الاتحاد السوفياتي إلى دولة صناعية، على الرغم من انعدام البنى التحتية الصناعية في الاتحاد السوفياتي آنذاك.

وفي ما يتعلّق بالزراعة، فقد طبّق ستالين نظرية الزراعة التعاونية من خلال استبدال الحقول الزراعية البدائية التي تعتمد على الناس والحيوانات في حرث وزراعة الأرض بحقول زراعية ذات تجهيزات حديثة كالجرّارات الميكانيكية وخلافه.

ويرى البعض بأن الزراعة التعاونية ناقضت نمطاً من أنماط التجارة كان يمارس لقرون مضت. فلاقت الزراعة التعاونية بذلك معارضة شديدة من قبل الإقطاعيين والفلاحين ووصلت المعارضة إلى حد المواجهات العنيفة بين السلطة والفلاحين.

وعلى صعيد الخدمات الاجتماعية، قثد ركز ستالين على تغيير مجتمع مليء بالمفاهيم الدينية لمختلف الطوائف والقوميات، فكان من الضروري تحويل المجتمع من زراعي إلى صناعي، إلّا أن أعظم إنجاز لستالين يبقى دحر الجيوش النازية في الحرب العالمية الثانية.

وفي اعتقادي فإن تعدد القوميات والأديان في الاتحاد السوفياتي، ناهيك عن عوامل المساحة وعدد سكان، وضعت ستالين أمام خيارين لا ثالث لهما، أما تنفيذ إرادته أو التنحي للآراء الأخرى المختلفة، وقد نفذ خياره الأول ونفذه بقبضة حديدية.

خياره كان صائباً وفقاً للظروف التاريخية التي كانت سائدة آنذاك، إلا الولايات المتحدة الأمريكية شرعت إلى "شيطنة" ستالين، كما هو الحال مع جميع من عاداها، فوصفته بالديكتاتور والقاتل، فيما لا أراه أنا سوى "باني دولة عظيمة".


اليوم، وعقب ستين عاماً على رحيل ستالين، تظهر أحدث استطلاعات الرأي حنين الروس لستالين، وتظهر بقاء ستالين في مخيلة أبناء الاتحاد السوفياتي، وارتفاع شعبيته، وذلك بحسب خبراء مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في روسيا.

هي الذكرى إذاً، والحنين إلى الماضي، هي ذات الظروف تتشكل حالياً، هي زمنٌ بحاجة إلى ثورة مجتمعية ثقافية اقتصادية سياسية شاملة.


أما أنا فسأردد الجملة ذاتها للرفيق ستالين دوماً .. زمان زمان يا جدّي ستالين، دخان غليونك غطّى برلين.