الثلاثاء، 19 مارس، 2013

يا بتاع الووترغيت!! - بقلم طلال عبدالله


أيام قليلة تفصلنا عن زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى منطقتنا، والتي سيبدأها بالكيان الصهيوني، ومن ثم الضفة الغربية، فالأردن عقب ذلك.

يرى العديد من المحللين بأن زيارة أوباما سياحية لا سياسية، فأوباما بصدد زيارة البتراء وبيت لحم والقدس، وزيارة متاحف عديدة في الكيان الصهيوني.


في اعتقادي هي سياسية بامتياز، وأرى بأن تاريخنا سرعان ما يعيد نفسه، بالأمس كان التهليل للضيف الكبير ريتشارد نيكسون، واليوم نكبّر لزيارة الضيف الكبير باراك أوباما، وبينهما ضيوف أعزاء كثر، من جورج بوش إلى بيل كلينتون.

زيارة أوباما تتركز على هذه الجهات الثلاث، الأمر الذي يرسل ببرقيات عديدة سرعان ما يترجمها المحللون إلى الحديث عن فدرالية أو كونفدرالية بين تلك الجهات، الأمر الذي لا أستبعده، ولكنني أعتقد بأن الحديث الأمريكي قد يرتكز إلى كونفدرالية أردنية-فلسطينية.

ولكن الأهم من ذلك في زيارة أوباما سيكون بحسب تقديري حيال الأزمة في سوريا، وتدارس آخر مستجدات الأوضاع هناك، وهذا سيكون تحديداً في الأردن، في ما سيكون للملف النووي الإيراني وبكل تأكيد حصة من محادثات الزيارة، إلا أن موضوع خلق ذلك التحالف الجديد بين القوى السياسية السنيّة مع القوى الإمبريالية بخط (سنّي-صهيوني-أمريكي) يبقى أخطر ما في الأمر.

زيارة أوباما هذه تذكرني بزيارته إلى العاصمة المصرية القاهرة 2009، فهناك لبس أوباما عباءة المسالم وعباءة الدين، وأكد على أنه يسعى إلى السلام بين الأمم، مع الإشارة إلى أنه نجح إلى حد بعيد في إقناع الشارع العربي بأنه رجلٌ يحب العرب، ويريد العمل معهم.

الخطير في الأمر أن يصدق الشارع تلك القوى الامبريالية التي لا تحمل ذلك النهج أبداً، ولن تفعل، وفي تقديري فإن زيارة أوباما اليوم إلى المنطقة تأتي لتلميع صورتها وتحسين صورتها في الوطن العربي، وبالأخص عقب أزمة سوريا، وتراجع "محادثات السلام" التي ترعاها الولايات المتحدة، تماماً كما جاءت زيارة أوباما إلى القاهرة، لذات الأمر عقب ظهور وجههم القبيح أبان حكم بوش الصغير.

الأقبح من ذلك أن تضع السفارة الأمريكية في عمّان صوراً على شبكة التواصل الاجتماعي "فيسبوك" للرئيس الأمريكي، وبجانبه عبارة باللغة الانجليزية "Welcome Mr. President"، وعبارة بالعاميّة الأردنية "يا هلا بالرئيس أوباما".

أيّاً كانت أسباب زيارة العم سام، عفواً، أقصد الرئيس الأمريكي، فإن لنا رسالة نريد توجيهها إليه: أيها الرئيس الأمريكي، أنت كاذب، مخادع، أنت الحافظ الأول لأمن الكيان الصهيوني، وأنت حليفه الأول، أنتَ الاستعمار الحديث لبلادنا، فإذا سألتنا مطالبنا سنقول لك بأن تكف يد بلادك عنّا، وإن كانت ثورتنا على قواكم الامبريالية تقف على الأبواب.

كفّوا أيديكم عنّا، واخرجوا من أرضنا، دوسوا على جراحنا، وأمعنوا في بيعنا، ذلك عصركم، ومنطق عصركم، ولكن، كونوا على ثقة بأن فجر عمّالنا قادم، وبأنكم لن تكونوا سوى، حكاية جديدة من حكايا الاستعمار العديدة التي نعلّمها لأطفالنا، عقب أن ترحلوا.

بذلك أقول لك، لا أهلاً ولا سهلاً، زياراتكم لا تحمل سوى العهر دائماً، فأنتم جرحنا النازف في العراق وسوريا وليبيا، أنتم نهب مقدراتنا وثرواتنا بيد الخليج-العبري.

أنتم بكلمات بسيطة قالها حكيم الثورة جورج حبش "رأس الأفعى"، وأنتم باختصار شديد هتاف تردده جداتنا على لسان تميم البرغوثي: "أمريكا هيه هيه، أمريكا راس الحية".

ما أشبه اليوم بالبارحة، وما أعظم عبارة "التاريخ يعيد نفسه"، ولأنه كذلك، ولأنها كذلك، ولأنني عربيّ أحمل شيم كرم الضيافة، فاسمح لي يا سيادة الرئيس أن أرحب بك بكلمات قديمة لأحمد فؤاد نجم، وألحان للشيخ إمام، لعلّك تدرك ما أعنيه.

شرّفت يا نيكسون بابا
يا بتاع الووترغيت
عملولك قيمة وسيما
سلاطين الفول والزيت

فرشولك أوسع سكّة
من راس التين على مكة
وهناك تنفد على عكا
ويقولوا عليك حجيت

ما هو مولد ساير داير
شيلّاه يا أصحاب البيت

جواسيسك يوم تشريفك
عملولك دقة وزار
تتقصع فيه المومس والقارح والمندار
والشيخ شمهورش راكب
عَ الكوديا وهات يا مواكب
وبواقي الزفّة عناكب
ساحبين من تحت الحيط

وأهو مولد ساير داير
شيلّاه يا أصحاب البيت

عزموك فقالوا تعالَ
تاكل بامبون وهريسة
قمت إنت لأنك مهيف
صدقت إن إحنا فريسة
طبيت لحقوك بالزفة
يا عريس الغفلة يا خفّة
هات وشّك خدلك تَفَّة
شوبش من صاحب البيت

وأهو مولد ساير داير
شيلّاه يا أصحاب البيت

خد مني كلام يبقى لك
ولو إنك مش حَ تعيش
لا حقول أهلاً ولا جهلاً
ولا تيجي ولا متجيش
بيقولوا اللحم المصري
مطرح ما بيسري بيهري
ودا من تأثير الكشري والفول والسوس أبو زيت

وأهو مولد ساير داير
شيلّاه يا أصحاب البيت
أحمد فؤاد نجم (1974)

الاثنين، 11 مارس، 2013

طير وعلّي يا أبو النسور - بقلم طلال عبدالله


في الأردن لدينا ديمقراطية يحسدنا عليها الآخرون، والله "عَ راصي" أبو النسور.

ديمقراطية يحسدنا عليها العالم، فقانون الانتخاب "الجديد والعصري" في الأردن، ينص على أن مجلس النوّاب يتألف من 150 مقعداً، 27 مقعداً منها فقط لقوائم الوطن "المغلقة"، وبقية المقاعد للدائرة، الفردية لا الوهمية هذه المرة.

ديمقراطية لا تعطيك الحق في التصويت لبرنامج انتخابي، فالبرامج لدينا تتشكل عقب تشكيل الحكومات، الله الله.

الديمقراطية التي يحسدنا عليها العالم هي الديمقراطية التوافقية بالطبع، لا ديمقراطية الأغلبية، فليموتوا بغيظهم.

الآن وعقب انتهاء الانتخابات، قدّم دولة عبدالله النسور استقالته في ظل نجاح الانتخابات أو إنجاحها، وذلك بعيد إنجازه لإصلاحات مهمة في الأردن، أهمها رفع الدعم عن المحروقات.

وعقب انتهاء الانتخابات، أسفرت المشاورات بين دولة رئيس الوزراء السابق فايز الطراونة رئيس الديوان الملكي حالياً مع الكتل النيابية عن تسمية عبدالله النسور رئيساً للوزراء، والذي وبكل تأكيد وبكل نزاهة وشفافية، سيحصل على الثقة في مجلس النوّاب المنتخب بطريقة عصرية.

وبالطبع، فإن دولة عبدالله النسور سيبدأ بالمشاورات لتشكيل الحكومة الجديدة، وسيشرع فوراً بالعمل على بلورة برنامج العمل الحكومي للأعوام الأربعة المقبلة، تلك هي البرامج الانتخابية التي تحدثنا عنها.

البرامج الانتخابية لدينا تتبلور عقب انتهاء الانتخابات، فنحن لا ننتخب برامجاً انتخابية، "والله عَ راصي الديمقراطية".

بالعودة إلى الخلف قليلاً، فمنذ استلام دولة الدكتور عبدالله النسور لمهماته رئيساً للوزراء في الأردن، والحال في الأردن يسير من أفضل لأفضل، فالحمدلله، الحمدلله.

بداية، تسلّم دولة عبدالله النسور مهماته من دولة فايز الطراونة، وبصفته معارضاّ هماماً، فقد كانت أجندته الإصلاحية تمتلئ عن آخرها بالإصلاحات، من رفع الدعم عن المحروقات، وحتى إنجاح الانتخابات السابعة عشر في الأردن.

عاد النسور، حاملاً في جعبته المزيد من الإصلاحات، ولمدة أربعة أعوام هذه المرة، وإن كانت حكومة النسور الجديدة "العفيفة والطاهرة" بانتظار مهمّات جسام منذ اليوم الأول لها.

ذلك بأن الجراد يقف على الأبواب، ورفع الدعم عن الكهرباء كذلك، بالإضافة إلى استحقاقات صندوق النقد الدولي.

في ما يتعلّق بالجراد، إطمئنوا يا أبناء الأردن، فوزارة الزراعة -مشكورة- أكدت على أن الأجهزة المعنية تقف على أهبة الاستعداد لمكافحة الجراد، وذلك بالتعاون مع الأمن العام وقوّات الدرك.

"والله والله لو أشوف جرادة في الشارع، إلّا ألعن أبو أفطاس أفطاسها، هراوت الدرك جاهزة، وإلا مفكرين حيطنا واطي؟! لا يا عمّي، حيطنا مش واطي، حنّا أردنية وحيطنا مش واطي".

أما بالحديث عن "الحيط الواطي"، فتلك عبارة تأخذ مكانها على جراد الداخل، نحن أبناء الحراك في الأردن، وعلى الأربع عشرة جرادة التي عبرت حدودنا، أما على السعودية فـ "حيطنا واطي"، واعتقال أبناء الأردن فيها أمر لا يقبل النقاش، والله يا خالد الناطور بالفعل "حيطنا مش واطي".

حول حكومة النسور المقبلة، كلي ثقة بأنها بعيدة كل البعد عن الإصلاح، بل كلي ثقة بأنها ستسعى لإذلال المواطن أكثر وأكثر، كما كلي ثقة بأن معالي ناصر جودة سيحتفظ بحقيبة الخارجية، "والله ثقة".

تذكرّت دولة عبدالله النسور عندما كان معارضاً، وعندما وصف حكومة دولة سمير الرفاعي بأنها غير قادرة على إدارة شؤون البلاد!!! الله الله!!! بالله عليك؟! بالفعل، روح النكتة والفكاهة والدعابة هو جوهر العمل الحكومي في الأردن!! "يمّه يمّه ما أنغشني".


سر على بركة الله أبو النسور، فقد وعدتنا أن تكون النظافة عنواناً للمرحلة، وبأنه لن يكون هناك فساد في وطننا، اسمح لي دولتك، وبلغة جيلي من أبناء الثمانينيات، أن أغني لك: "طير وعلّي يا أبو النسور، فوق سطوح بيوتنا، رجعت إيام الربيع والشمس ببيوتنا، والسما فرحاني، والغيمة دفياني، والوردة غفياني، عَ شبابيك بيوتنا".

والله عَ راصي، بالصاد.

الأربعاء، 6 مارس، 2013

وداعاً تشافيز - بقلم طلال عبدالله


في ليلة حالكة، رحل البطل، ترجّل الفارس، تاركاً خلفه حلمٌ لم يكمتل.

غاب تشافيز، وبقيت روحه تعانق أرواح العظماء في سماء أمريكا اللاتينية، مات تشافيز، فعاش القائد، وعاش المناضل.

غيّبه الموت عنّا، بعد حياة قضاها الزعيم العظيم في مقارعة الإمبريالية العالمية، فحفر بذلك اسمه بحروف من ذهب إلى جانب تشي جيفارا وسيمون بوليفار، حفره في قلوب الملايين من أبناء أمريكا اللاتينية، ودونّه على قلوبنا نحن العرب.

عرفناه صادقاً أمام شعبه، عرفناه عظيماً في انحيازه للقضايا العادلة للشعوب الأخرى، عرفناه عربيّاً أكثر من كثير من العرب، عرفناه نبيّاً يعلّم معنى الكرامة والإباء والوطن.

صلّيت كثيراً لكي لا تغمض عينيك طويلاً، وأقنعت نفسي بأن خبر رحيلك غير صحيح، فتمنيت أن يموت جميع من في العالم، ولتبقى أنت.

يا رفيقنا، سلامٌ عليك في حياتك، سلامٌ عليك في مماتك، سلامٌ عليك حين قطعت علاقة بلادك مع الكيان الصهيوني إبان عدوانه على غزة، سلامٌ عليك في كل وقتٍ كنت فيه معنا، بينما كان رؤساؤنا يتآمرون علينا.

سلامٌ عليك بكلمات الفقراء من أبناء شعبك، سلامٌ عليك وقد ارتقيت بشعبك وحاربت الفقر والأميّة، سلامٌ عليك وأنت تقارع الشيطان الأكبر، سلامٌ عليك وأنت تساند لبنان في تحرير جنوبها، سلامٌ عليك.

سلامٌ عليك وأنت تنعت نفسك بالناصريّ، سلامٌ عليك وأنت تقف إلى جانب العراق إبان غزو الشيطان الأكبر لها، فكسرت الحصار عنه بزيارة تاريخية، سلامٌ عليكَ وأنت تناصر ليبيا ضد الناتو، وسلامٌ عليكَ وأنت تقف في وجه المؤامرة على سوريا.

سلامٌ عليك من غزة ومن بغدان، سلامٌ عليك من دمشق ومن تطوان، سلامٌ عليك من بيروت، من القاهرة وطرابلس، ومن عمّان.

سلامٌ عليك ألف سلام، سلامٌ لك وعلينا، ولنا الشرف أننا عاصرناك.

وداعاً يا فتى العروبة الأغر، لا تكفيك الدموع ولا الكلمات، ستبقى شامخاً يعانق رأسك تلك السماوات، لا تكفيك المراثي، ولا الهتافات، حسبك بأنك أعدت لكلمة "رجل" معناها.

أبيت يا زعيم أن تكون بلادك مطية في يد الولايات المتحدة، أنصفت يا سيدي الفقراء والكادحين، قاومت الحصار وكل الخيانات، ناصرت المقاومة العربية وكل حركات التحرر في العالم، وقفت في وجه الموت لكأنك إلهاً لا تخشى الردى.

أنتَ شعوب العالم التي تسعى للتحرر من سطوة الإمبريالية، أنتَ القائد الرائد العدو الأول للصهيونية، أنتَ صورة القديس جيفارا، التي كنت تحملها في كل المحافل الدولية، أنتَ جراحي وأملي وآهاتي وفرحي بلغتي العربية.


سيدي الرئيس، أيها الزعيم، يا رفيقي العظيم، هوغو تشافيز، أستودعك عالم وحشي، وداعاً يا رفيقي.








الثلاثاء، 5 مارس، 2013

دخان غليونك غطى برلين!! – بقلم طلال عبدالله


هل كان ستالين آخر قيادات الاتحاد السوفياتي؟ هل شيطنت أمريكا ستالين؟ لماذا يدخل الشيوعبون دوماً في صراع داخلي حول شخصية ستالين؟ لماذا قام ستالين بتصفية تروتسكي؟ وهل فعل ذلك حقاً؟ ستالين أم تروتسكي؟ هل كان ستالين "ديكتاتوراً"؟ أم أنه كان القائد الذي هزم جيوش النازية وبنى الاتحاد السوفياتي ونقل مجتمعه نقلة نوعية؟

تعتبر شخصية القائد الثاني للاتحاد السوفياتي جوزيف ستالين أحد الشخصيات الجدلية في التاريخ، وتعتبر أحد أهم الشخصيات التي أسهمت بشكل مباشر في بناء الاتحاد السوفياتي. اليوم وفي الذكرى الستين لرحيله، وجب علينا أن نتناول شخصية الرجل بموضوعية، وأن نعرف تاريخ إنجازاته، وأن نرى محطات التاريخ التي أنصفت ستالين وأنصفها.

ولد جوزيف ستالين في الثامن عشر من كانون الأول/ديسمبر في العام 1878، ورحل في الخامس من آذار/مارس في العام 1953، عن عمر ناهز الـ 75 عاماً، قضاها ستالين في جورجيا بين قسوة الأب وحنان الأم، بين أب دائم الضرب له، وبين أم كانت تريد لابنها أن يصبح كاهناً.

طرد ستالين من مدرسته، وانخرط في العمل السياسي السري، وهو ابن 21 عاماً، وتبنّى المذهب الفكري للقائد فلاديمير لينين، مؤمناً بشعار لينين "الأرض والخبز والسلام"، لتمضي حياته عقب ذلك بين المعتقل والمنفى، إلى أن عمل في الحزب البلشفي، ليطلق عليه لينين لقب "ستالين"، والتي تعني "الرجل الحديدي"، وذلك عقب قيامه بإلقاء قنبلة يدوية على بين قدمي القيصر الروسي قبيل قيام الثورة البلشفية أثناء عمل ستالين في طلاء القصر مع مجموعة من العمّال.

وبدأ نجم ستالين بالظهور من خلال تدرجه في المناصب من المفوّض السياسي للجيش الروسي، مروراً بمناصب عديدة في الحزب الشيوعي عقب قيام الثورة البلشفية، وصولاً إلى رأس هرم الاتحاد السوفياتي عقب رحيل لينين.

عند وصول ستالين إلى رأس السلطة في الاتحاد السوفياتي ظهر الخلاف الشهير بينه وبين تروتسكي، فالأول آمن بنبذ فكرة الثورة العالمية الشيوعية لصالح الاشتراكية المحلية، الأمر الذي يناقض مبادئ تروتسكي المنادية بالشيوعية العالمية، في الوقت الذي يرى فيه الكثيرون بأن الصراع كان على السلطة.


ويرى الكثير من الرفاق في ستالين رجلاً بيروقراطياً، ويأخذ هؤلاء الرفاق مآخذاً عديدة على ستالين وطريقة إدارته للبلاد، ويرون بأن ستالين عزل بعض القيادات وقام بتصفية بعضها الآخر، وذلك لبسط سلطته المطلقة على البلاد، ناهيك عن إيمانهم المطلق بأن سيرة ستالين ملطخة بدماء الأبرياء، وبأن ستالين قضى على مخزون الاتحاد السوفياتي من العلماء والمفكرين ورجال الثقافة والمجتمع، فقط لكونهم عارضوا سياسات ستالين.

ويرون أيضاً بأن ستالين عمد إلى التطبيق الصارم للاشتراكية، ناهيك عن قيامه بحملات اعتقالات وإعدامات، هذا بالإضافة إلى قيامه بترحيل مليون ونصف المليون سوفييتي إلى سيبيريا وجمهوريات آسيا الوسطى، ومع أن السبب كان إمّا تعاونهم مع القوات النازية الغازية أو معاداتهم للمباديء السوفييتية. فإن بعض الرفاق يؤمنون بأن السبب الحقيقي يكمن في محاولة ستالين خلق توازناً عرقياً لكي يبتعد الشعب عن النزعات القومية للسلافيين ولكي يتسنّى لستالين إيجاد توازن إثني في الجمهوريات.

ولكن الدارس للتجربة الستالينية بتعمق وبتجرد، سيرى بأن ستالين كان رجل دولة، ذلك بأن إنجازات ستالين أسهمت وبشكل كبير في بناء الاتحاد السوفياتي، فقد استبدل ستالين الانتماء الديني للشعب الروسي بالانتماء الشيوعي، وحوّل الاتحاد السوفياتي إلى دولة صناعية، على الرغم من انعدام البنى التحتية الصناعية في الاتحاد السوفياتي آنذاك.

وفي ما يتعلّق بالزراعة، فقد طبّق ستالين نظرية الزراعة التعاونية من خلال استبدال الحقول الزراعية البدائية التي تعتمد على الناس والحيوانات في حرث وزراعة الأرض بحقول زراعية ذات تجهيزات حديثة كالجرّارات الميكانيكية وخلافه.

ويرى البعض بأن الزراعة التعاونية ناقضت نمطاً من أنماط التجارة كان يمارس لقرون مضت. فلاقت الزراعة التعاونية بذلك معارضة شديدة من قبل الإقطاعيين والفلاحين ووصلت المعارضة إلى حد المواجهات العنيفة بين السلطة والفلاحين.

وعلى صعيد الخدمات الاجتماعية، قثد ركز ستالين على تغيير مجتمع مليء بالمفاهيم الدينية لمختلف الطوائف والقوميات، فكان من الضروري تحويل المجتمع من زراعي إلى صناعي، إلّا أن أعظم إنجاز لستالين يبقى دحر الجيوش النازية في الحرب العالمية الثانية.

وفي اعتقادي فإن تعدد القوميات والأديان في الاتحاد السوفياتي، ناهيك عن عوامل المساحة وعدد سكان، وضعت ستالين أمام خيارين لا ثالث لهما، أما تنفيذ إرادته أو التنحي للآراء الأخرى المختلفة، وقد نفذ خياره الأول ونفذه بقبضة حديدية.

خياره كان صائباً وفقاً للظروف التاريخية التي كانت سائدة آنذاك، إلا الولايات المتحدة الأمريكية شرعت إلى "شيطنة" ستالين، كما هو الحال مع جميع من عاداها، فوصفته بالديكتاتور والقاتل، فيما لا أراه أنا سوى "باني دولة عظيمة".


اليوم، وعقب ستين عاماً على رحيل ستالين، تظهر أحدث استطلاعات الرأي حنين الروس لستالين، وتظهر بقاء ستالين في مخيلة أبناء الاتحاد السوفياتي، وارتفاع شعبيته، وذلك بحسب خبراء مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في روسيا.

هي الذكرى إذاً، والحنين إلى الماضي، هي ذات الظروف تتشكل حالياً، هي زمنٌ بحاجة إلى ثورة مجتمعية ثقافية اقتصادية سياسية شاملة.


أما أنا فسأردد الجملة ذاتها للرفيق ستالين دوماً .. زمان زمان يا جدّي ستالين، دخان غليونك غطّى برلين.