الجمعة، 28 سبتمبر، 2012

وما أدراك ما عبدالناصر!! – بقلم طلال عبدالله


لطالما تساءلت عن سر تلك الدموع التي تترقرق في عيون والدتي كلما ذكر اسم جمال عبدالناصر، ولطالما أسرتني تلك النظرات المليئة بالعنفوان التي تملؤها كلما شاهدت في التلفاز مسلسلاً أو فيلماً يروي جزءاً من حكاية ناصر، وكان العجب يملؤني دوماً حيثما جاء ذكر هذا الرجل، في مصر وفي بلاد الشام، فتترقرق العبرات في العيون، ليستمر العجب في نفسي، حتى علمت السبب، فبطل ذلك العحب!!




ولأن التاريخ لا يملك إلا أن يكتب اسماء الرجال بأحرف من ذهب، فقد دون اسم ناصر نبياً لفقراء مصر، مدافعاً عن قضاياهم، ابناً بارّاً لهم، وقائداً عظيماً للأمة العربية بأسرها، على امتداد رقعتها الجغرافية من المحيط إلى الخليج.

وفي بلاد الشام تحديداً، لا يمكن بحال من الأحوال أن ترى من عاصر عهد عبدالناصر ولا يستذكره بدموع الحرقة والفراق، وكذا الحال في شتى أنحاء المعمورة، فترى قائداً عظيماً في أمريكا اللاتينية يعرف نفسه على أنه ناصريّ مذ كان مجرد ضابط في الجيش الفنزويلي، ولكن الأهم من ذلك كله، أن يكون اسم ناصر محفور في قلب كل عربي عاصره أم لم يعاصره.


ولا أدري ما أقول هنا، أأقول يا لسخرية القدر، أم أقول بأن هذا زمان أشباه الرجال؟

ماذا عساني أقول وأنا أرى شبه رجل، يتصف بالحماقة والغباء، يحكم أم الدنيا، ويلمز إلى عهد ناصر قائلاً: "الستينات وما أدراك ما الستينات"!!

أردت رداً عليه فلم أجد سوى "عبدالناصر وما أدراك ما عبدالناصر".

عبدالناصر، أجمل الأسماء في التاريخ العربي المعاصر، عبدالناصر، مشروع حلم عربي لم يكتمل، عبدالناصر، عدو الغرب الأول، عبدالناصر، قائد الثورة ومشروع النهضة والتحرر في الوطن العربي، بالفعل، عبد الناصر وما أدراك ما عبدالناصر!!

ولأن تاريخه كان مليئاً بالإنجازات والعطاء، فكان الهجوم عليه من كل حدب وصوب، وحاول جرذان الأرض تشويه صورة القائد، الأمر الذي كان يملي على مسامعي إعجاباً كبيراً بعبدالناصر من جهة، وهجوماً كبيراً عليه من من جهة أخرى، مما دفعني إلى دراسة التجربة الناصرية بنهم في مطلع العشرينيات من العمر، دون أن تفارقني دموع والدتي الغزيرة التي ذرفتها وهي تشاهد فيلماً بعنوان "ناصر 56" للفنّان أحمد زكي، يروي أحداث العام 1956 في مصر.

وللحقيقة أقول بأن عبدالناصر شغفني بمنجزاته، وبقيادته لمصر ولثورة يوليو، بل وبالكريزما العظيمة التي لم تمنح لسواه من البشر، وتعمقت أكثر واكتشفت بأن تاريخنا العربي بأكمله لم يحمل تجربة تحرر وطني حقيقية سوى تجربة عبدالناصر، وعلى الرغم من كل أخطائها، إلا أنها كانت جديرة بالاحترام والتقدير والدراسة.


فمن قيادة الثورة في مصر، والقضاء على الحكم الملكي الفاسد، والقضاء على الإقطاع، إلى تأميم قناة السويس وبناء السد العالي، وتأميم البنوك الأجنبية، إلى تطبيق قوانين الاشتراكية والجلاء، فقوانين الإصلاح الزراعي، ووضع مصر على رأس الدول العربية المصنعة للأسلحة والسلع الاستهلاكية، وفك تبعية مصر للخارج، إلى نشر التعليم المجاني والعلاج المجاني، والعمل على محاربة الفقر والبطالة، وبناء مصر قوية عزيزة، ناهيك عن تمكين الفقراء من أبناء الشعب المصري، إلى جانب الالتفات إلى الوطن العربي ودعم حركات التحرر الوطني في الوطن العربي وأفريقيا.

إلا أن الأهم من ذلك كله في نظري، كان قدرة عبدالناصر على خلق كرامة حقيقية للمواطن المصري، بل وللمواطن العربي، كرامة انقلب عليها نظام السادات-مبارك، ويحاول نظام المرسي الانقلاب عليها حالياً، وفي اعتقادي فإن العدالة الاجتماعية لم تتحقق في الوطن العربي سوى في مصر وبالتحديد في عهد الزعيم الخالد جمال عبدالناصر.


كثيرة هي منجزات عبدالناصر على كافة الصعد، عسكرياً، سياسياً، اقتصادياً، واجتماعياً، ولست هنا في موضع ذكرها، فذكرها يحتاج إلى كتب عديدة، وإن كان حلم وحدة مصر وسوريا يكفي ناصر فخراً، ولكنني أحببت أن أهدي روحه الطاهرة هذه الأسطر، في الذكرى الـثانية والأربعين لرحيله عن عالمنا.

ففي مثل هذا اليوم، الثامن والعشرين من أيلول/سبتمبر، رحل عبدالناصر، بعدما اطمأن على الدم العربي، فشيعته الملايين، حملاً على الأكتاف، بدموع الحرقة والوداع، وبآهات الحسرة على مشروع لم يكتمل، وعلى الرغم من أنني ولدت بعد موت ناصر بأربعة عشر عاماً، إلا أنني أحس بتلك اللحظات، وأشعر أحياناً بأنني كنت موجوداً هناك على أحد جسور القاهرة لوداع جثمان القديس العربي جمال عبدالناصر عند رحيله.

لم ترحل يا أبا خالد، وإن كنت قد رحلت بجسدك فقط، فلرحيلك في هذا العام بالتحديد معنى رمزياً، مع ازدياد المؤامرات على الأمة العربية، ومحاولات تدمير سوريا التي كان لها في قلبك مكانة كبيرة، فرأيتها قلب العروبة النابض.


ولأن للشمس وهج لا تخفيه الأيدي، ولأنه الزعيم الخالد، قال لي أحد الرفاق الشيوعيين في أحد الأيام عند حديثنا عن عبدالناصر: "حين يذكر عبدالناصر أعود قومياً ناصرياً". نعم يا رفيقي، فأنا أيضاً: "حين يذكر عبدالناصر أعود قومياً ناصرياً"، ففي الليلة الظلماء يفتقد البدر، ويفتقد ناصر!!










لم تبق لي فى مجـال المـدح فيك يــــــد ... ترجـى لكثرة من أثنـوا ومن حمدوا
إني أرى الـناس قد باتــوا كأنهمــــــــوا ... تحالفوا فى سبيـل المجـد واتحـدوا
أطـوف فى دارة الفصحى عساي أرى ... باباً من المجــد لم يطـرق فلا أجد
يا صيحة من ربى مصـرٍ زأرت بهـــــــا ... فاهتز فى الكــون من أصدائها الجَمَدُ
غــــنى بها الصـقر فوق الدوح مغتبطاً ... وأنشد السجـع فيها البلبــل الغـرد
ورددتها بلاد العـــرب قاطبـــــــــــــــــة ... حتى ارتوى الشيـخ منها وانتشى الولد
قل للألى وقــروا آذانــهم صمــمــــــاً ... ولم يــرق لهم التصــويب والسدد
المشركين ضــلالاً في عــروبتهـــــــــم ... والمعلنين نفاقــاً غيـر ما  قصـدوا
واللائميــن سفاهــاً في محبتــــــــــــــه ... إنا بمن نتغنـــى فيه نعتقـــــــــــــــد
فهو الزعيــــــــــــم ونحـن التابعون له ... لم يثننــا عنه لــــوام ومنتقـــــــــــــد
وهو الرســول ونحن المؤمنـــــــون به ... ما ضرنـا أن بعض الناس قد جحدوا
قد صد بالفئة الصغـــــــرى جبابـرة ... كانت عليها الفئــات الكثــر تعتمد
فــــأصبحت "بورسعيــد" تحت رايتـه ...  كأنها فى ظــلال المصطفـى أُحـد
شهادة وأمــــــــام الله أعلنهــــــــــــــا ... ولا يضــار بشرع الله من شهـدوا
أحببت ناصـــــــر والدنيــا به شغفت ... لا للوم في حبــه يجـدي ولا الحسد
أحببتــه ليس من دينـــــــي ولا بلدي ... والحـب ليس له ديــن ولا بــلد