الجمعة، 17 أغسطس، 2012

حوار مع سمّو الأمير - بقلم طلال عبدالله


المكان: وسط البلد في العاصمة عمّان
الزمان: منتصف الليل .. وبالتحديد منتصف ليل إحدى الليالي الرمضانية الأخيرة
الحدث: أميرٌ من طبقة النبلاء يغير مسار التاريخ

تعجّ العاصمة عمّان بالبشر في الليالي التي تسبق العيد، وترى الناس يتسابقون لإنهاء طعام الإفطار، ليهرعوا فوراً إلى الأسواق لإتمام مشتريات العيد.

وفي وسط البلد، ترى الناس على اختلافهم يسيرون يميناً ويساراً وكأنهم سيل بشري غير منتظم، وفي الكثير من الأحيان تختلط السيارات بالمارّة، ويبقى هو وحيداً يراقب من طرف الشارع كيف يشتري الآباء لأبنائهم ألبسة العيد بألوانها الزاهية وأقمشتها الناعمة.

يجلس وحيداً وصامتاً، وكأن ما يراه لا يعنيه البتة، وكأن ما يحدث حوله لا يحدث حوله، له ابتسامة ملائكية، لا يبخل بها على أحدٍ من المارّة.

ترى الشباب يهمسون لبعضهم البعض بالنكات، ويضحكون بأصوات مرتفعة، أطفال يركضون يميناً ويساراً، وأمهات يركضن خلفهم، لكي لا يضيع الأطفال في زحمة المارّة، سيّاح من شتى أنحاء العالم يحملون حقائبهم على ظهورهم ويسيرون في رحلة استكشافية لوسط البلد، وهو يرتب أوراقه تارة، ويتفقد التغيرات من حوله تارة أخرى.

وسط البلد بعراقتها انحنت للأمير، وسط البلد بجلالها ركعت للأمير، وسط البلد بنضالاتها أدت تحية سلامٍ للأمير.

أميرٌ له سمرة عربية، وله من العمر تسع سنوات لا أكثر، يرتدي بنطال جينز أزرق، وقميص فيه مربعات بيضاء وكحلية اللون، شعره أسود كالليل، وعيناه سوداوان يبوحان عن ما في قلبه من أسرار، ينظر إلى من حوله في الزقاق الذي يقع فيه محل الكنافة الشهير "حبيبة".

وعلى الرغم من امتلاء الزقاق بالبشر، وتكالبهم على حبيبة لشراء الكنافة، وانهماك البعض في أكل كنافة "حبيبة" الشهية، تراه يفتح صندوقاً مليئاً بالثلج، فيه زجاجات مياه معدنية، فيأخذ الباردة منها، ويعرضها للبيع، وما إن تنتهي الكمية التي يعرضها، حتى يأتي بغيرها من صندوقه ذاته.


ويلف الأمير بين الفينة والأخرى ليتفقد إذا ما كان أحد من الناس يريد شراء الماء، ولكن مكانه ثابت، فيعود له، بجانب صندوقه، ويجلس عند المعروض من زجاجات الماء المعدنية، وبكبريائه، ينظر إلى من حوله، وكأنه ملكٌ متوّجٌ يتفقد أحوال مواطنيه.

طلبت منه زجاجة من الماء، وسألته عن ثمنها، فأجابني بأن ثمنها ربع دينار أردني، أو خمسة وعشرون قرشاً، أعطاني إياها، وأخذ الربع دينار ووضعه في جيبه، وجلس إلى جانبي، فسألته إذا كانت هذه الزجاجات له، فنظر إلي وكأنه يسخر منّي في داخله ولسان حاله يقول: "أنا أمير من طبقة النبلاء، وتسألني عن بعض زجاجات الماء؟؟ ألا ترى بأني أملك الدنيا وما عليها؟!".

ولكنه أجابني بأن تلك الزجاجات لعمّه، وبأنه يبيعها له، بينما يعطيه عمّه مبلغاّ زهيداً من المال مقابل بيعه للماء، أمّا أنا فتذكرت إحساسي بهؤلاء، وبمعاناة كنت قد عشتها، علّمتني معنى الجوع والبرد والخوف، فنظرت إليه، وسعدت بأن الأمير لا يبدو وكأنه يشعر بالبرد، فنحن في أحد الليالي الصيفية الحارة، ومن الواضح أنه لا يشعر بخوف، ولكنني لم أعلم إذا كان يشعر بالجوع أم لا!!

نظرت إليه، وأردت سؤاله عن المدرسة، ولكنه بنظرة أخرى أجابني: "أنا أميرٌ .. فهل تعي ذلك"!!!


سألته ما إذا كان يمتلك مالاً فأومأ لي برأسه موافقاً، فأخرجت ما في جيبي لعله يريد شراء شيء للعيد، فرفض!!!!! قلت له بأنني أريده أن يحتفظ بالمال بعيداً عن أموال عمّه، فرفض!!!!!! ألححت عليه ليأخذ المال فقط ليأخذ المال لعله يحتاج إلى أي شيء، فرفض!!!! وانتهت حالة الشد والجذب بيني وبين سمو الأمير، الذي عاد على الفور إلى عمله، وعاد ليتربع على عروش كل البشر، ويعتلي الكراسي والمناصب كلها، وينصّب نفسه أميراً على العالم أجمع من طبقة النبلاء.

نظرت إلى رفيقي الذي يجلس بجانبي والعجب يملؤني، فأومأ برأسه، ونظرت إلى نفسي، فتكررت المشاهد في وطني، وعادت بي الذاكرة، وصالت وجالت، ورأيت سمو الأمير، يجلس على أرضه التي ينتمي إليها، ولا يرى في الكون غيرها، أميرٌ حقيقي ينتمي لوطنه، غير مستعد على الإطلاق للخروج منها، ولا يحلم أبداً بـ "الفيزا" الأمريكية أو الكندية أو الأسترالية أو النيوزلندية!!



إيه يا جورج .. سأروي القصة لأولادي وسأوصيهم أن ينقلوا الحكايات تلك لأبنائهم، أن يخبروا أبناءهم وأحفادهم حكايا الوطن .. فـ "الشعب عامل كريزا .. والحلم صفّا فيزا ... بتمنى بكرا يا ابني .. تكفي القصة لابنك كمان .. ما تكفّيها بكندا .. كفيها هون ... بعمّان".

مع الإعتذار للفنان الكبير جورج خباز