الأربعاء، 6 يونيو، 2012

أزمة الهوية الوطنية الأردنية – بقلم طلال عبدالله


هي جملة قالها الفنان الأردني موسى حجازين في مسرحيته "الآن فهمتكم" تلمس واقعاً سأتناوله في الأسطر القليلة القادمة، هي جملة تجسد بالفعل حالة نلمسها في الكثير من الأحيان للأسف الشديد، جملة قالها أبو صقر لأخيه الذي عاد إلى الأردن بعد طول غياب سائلاً عن بعض الجيران، فرد عليه أبو صقر بأن أولاده وأولادهم تشاجروا منذ آخر "مباراة"، وأكد له على أن بعض الأصابع الخفية تلعب بهم، قائلاً: "مهو ياخوي وقت ما بدهم بخلونا إخوان وحبايب، ووقت ما بدهم بقلبونا على بعض".



يعيش الأردن في هذه الأيام بالذات وعقب عام ونيّف على بدء الحراك الشبابي والشعبي المطالب بالإصلاح في البلاد أزمة هوية حقيقية، أزمة تفقد الشارع زخمه حيناً، وترهق الأغلبية الصامتة حيناً آخر.

والحقيقة أنني ترددت كثيراً في كتابة هذه الأسطر، لأنني على علم تام بحساسية موضوع الهوية الوطنية في الأردن، إلا أن السكوت لم يعد ممكناً، ولا بد من تنظيف الجرح بالضغط عليه لكي لا يكون عرضة للالتهاب، وبصفتي أؤمن بفكر يرى بأن تاريخ أي مجتمع حتى الآن ما هو إلا تاريخ صراعات طبقية، فسأحاول جاهداً تحليل الموضوع من ذلك المنطلق، عقب الحديث قليلاً عن أزمة الهوية الوطنية بشكل عام، ومراحل تكونها.

تعود جذور أزمة الهوية الوطنية الأردنية إلى زمن سابق، وعهد قديم، في ظل تداخل الهويتين الفلسطينية والأردنية، وصعوبة الفصل بينهما، ولاعتبارات أخرى كوحدة الضفتين، واحتلال فلسطين وتهجير شعبها إلى الدول المجاورة، وبالأخص الأردن، ناهيك عن عامل قد يكون الأهم في هذا كله، عامل الحرب الأهلية في الأردن، والتي عرفت بـ "أيلول الأسود"، وكانت في واقع الأمر قتالاً بين فصائل المقاومة الفلسطينية والجيش العربي الأردني، ولم تكن بين أبناء الشعبين الشقيقين.

وبحسب ما قاله لنا التاريخ، فإن العام 1950 شهد وحدة بين جناحي نهر الأردن، عقب هزيمة العام 1948، واستيلاء العصابات الصهيونية على 78 بالمئة من أرض فلسطين التاريخية، فتشكل الأردن بضفتيه، وأصبح المواطن في الضفتين أردنياً، ليستمر الحال على ما هو عليه، حتى المرحلة الثانية، نكسة 1967، واحتلال الضفة الغربية لنهر الأردن إلى جانب قطاع غزة.

وفي اعتقادي فإن أهم تاريخ في بدء تشكل تلك الأزمة كان "أيلول 1970"، إلا أن ذلك التاريخ لم يكن سوى تطور لتاريخ "حزيران 1967"، ففي الخامس من حزيران 1967، احتل الكيان الصهيوني الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث كانت الضفة آنذاك تحت حكم الأردن، فيما كان القطاع تحت حكم مصر، مع الإشارة إلى أن سكان الضفة كانوا يحملون جوازات سفر أردنية، فكانوا بذلك مواطنين أردنيين.

لن أدخل في تفصيلات تاريخية نعرفها جميعنا، إلا أنني أحاول ذكر بعض المحطات التي أسهمت في تبلور الفئوية في الأردن بخريطته الحالية، والتي اتضحت معالمها كخريطة في العام 1988، عندما أعلن العاهل الأردني آنذاك الحسين بن طلال عن قرار فك الارتباط بين الضفتين، عقب اعترافه بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني بطلب من مؤتمر القمة العربي والذي عقد في ذلك الوقت في الرباط.

وعقب ذلك التاريخ لم يعد من الممكن الحديث عن وجود أزمة، فقد أضحى الفلسطيني فلسطينياً أيّاً كان أصله، والأردني أردنياً أيّاُ كان منبته، في دولتين متجاورتين لشعبين شقيقين، بل توأمين، نزفا دماءً طاهرة في غور الأردن سوية في العام 1968، فاختلطت الدماء، وانسجمت في تناغم أذهل العالم، فتشكلت الكرامة الوطنية، لتؤكد على أن دم الأشقاء واحد.

تقسمنا على يدهم وكل الناس تتكتل يا هويس ...

إذن فقد تشكلت الهوية الأردنية التي نعرفها وبشكلها الحالي عقب قرار فك الارتباط بين الضفتين، وأضحينا نرى شعباً أردنياً له أصول عدة، وشعباً فلسطينياً على الضفة الأخرى له أصول عدة، تماماً كما هو حال كل شعوب الأرض، ولكن الأهم في حالتنا، أنهما شعبين عربيين لوطنين عربيين، وفي نظري، فهما شعب واحد لوطن واحد، بل وشعب واحد لسوريا الكبرى، بل وشعب واحد لأمة عربية واحدة.

على أية حال فقد قسمتنا خطوط البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا بيكو، ولو أن يد أحدهما ارتجفت وهو يقسم خريطة وطننا العربي، لرأينا دمشق في الأردن، والقدس في لبنان، والقاهرة في ليبيا، والجزائر في تونس، وبغداد في سوريا.

ولكن الأدهى والأمر أن القوى الاستعمارية نجحت في تقسيم أبناء الوطن العربي، لا على أساس دولهم فحسب، بل على أسس أعراقهم، إثنياتهم، طوائفهم، أديانهم، أصولهم، ... إلخ، وورثت تلك القوى التقسيمات لأنظمتنا العربية، لتستغلها وقت ما شاءت وكيف ما شاءت، وتشتتنا أكثر وأكثر، وتغرقنا في نزاعات لا تسهم إلا في تعميق الجرح العربي، وبقائهم.

بالعودة إلى الهوية الأردنية، آن لشعبنا العربي الأردني ممثلاً بكافة أصوله ومنابته أن يعلم بأن معركته الكبرى مع الفساد، ومع من يسرق قوته وقوت أبنائه، لا مع أخيه من أم أخرى، وبأن حق العودة مقدس، وليس هناك من يقبل بوطن بديل عن فلسطين في أي دولة مجاورة، آن لنا أن ندرك بأن "العود محمي بحزمته .. ضعيف حين ينفرد".



الصراع الطبقي الأردن .. أساس الصراع في المجتمع الأردني .. بل وفي الوطن العربي

إن التعمق في الطبيعة البشرية وفي كيفية تطور المجتمعات ونشأتها، يؤكد لنا بأن الصراع الطبقي كان دوماً جوهر الصراع في أي مجتمع، فإذا نظرت إلى أي مجتمع سترى طبقة برجوازية مسيطرة وحاكمة في أي مجتمع، أو قد تكون متنفعة من السلطة، تلك التي تسمى البرجوازية الرثة أو التابعة، ومن المعروف بأنها طبقة غير منتجة، ولكنها تقتات على دماء العمال وفائض قيمة عملهم، من خلال السيطرة على وسائل الإنتاج.

ومما لا شك فيه بأن العدو الأول لتلك الطبقة هم البروليتاريون، أو الطبقة العاملة، الغالبية الساحقة لأي مجتمع، تلك التي يضيع حقها دائماً، بسبب هؤلاء، وهي التي تسعى وتكافح وتناضل لتعيش عيشة كريمة، وكما تعلمنا من البيان، نقول: "البرجوازية لم تصنع، فحسب، الأسلحة التي تودي بحياتها، بل أنجبت أيضاً الرجال الذين سيستعملون هذه الأسلحة: العمال العصريين أو البروليتاريين".

أما آن لنا أن ندرك حقيقة جوهر الصراع مع العدو الصهيوني؟!

لن نخدع بكلمات السلام الزائفة، فقد بتنا على علم بأن الكيان الصهيوني يسعى لتصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن، الأمر الذي لا بد أن يدفعنا إلى المزيد من النضال للوقوف سدّاً منيعاً في وجه المشروع الصهيوني، كما ولا بد أن يدفعنا للتمسك أكثر بحق العودة، ورفض إنشاء الوطن البديل.

وأعتقد بأن الكيان الصهيوني يسعى لتصفية القضية الفلسطينية على حساب كل دول الجوار الفلسطيني، من خلال توطين اللاجئين في كل من سوريا، لبنان، والأردن، أي في كافة دول الجوار الفلسطيني تقريباً، وتحديداً في دول الجوار الفلسطيني في سوريا الكبرى، وبلا شك أن تلك المشاريع الصهيونية تلقى رواجاً لدى ما يسمى بالسلطة الوطنية الفلسطينية، بل والأنظمة العربية كافة، فقد باتت السلطة تتحدث عن حل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين، ولم تعد تذكر حق العودة.

حل عادل ومتفق عليه!!! بأي عين تقولونها؟! وبأي حق؟! بأي حق يا من تدلت عمائمكم فوق أعينكم، وسيوفكم العربية نسيت سنوات الشموخ، حقيقة قالها لكم أمير شعراء الرفض قبيل رحيله، وكأنه كان على علم بما ستؤول إليه الأمور، وإن كان هذا حالكم مذ ذلك الوقت!!!!

حل عادل ومتفق عليه لموضوع اللاجئين، أي وبعبارة أكثر صراحة يتجنب الجميع النطق بها: "تعويض اللاجئين بالمال، وتوطينهم في البلاد التي يقطنونها، ولا عودة لهم".

السؤال المطروح هنا، والذي يجب أن نسأله لأنفسنا باستمرار: كيف يمكننا مجابهة المشروع الصهيوني في الأردن؟!

سأترك الموضوع على بساطته، وأترك لكم عملية التحليل والربط والتفكير في إجابات لأسئلة كثيرة، ولن أخوض أكثر في طرح "الصراع الطبقي"، ولكنني بحاجة إلى بعض الإجابات من كل فئوي في الأردن قبيل الختام ...

من قال أن الصراع في الأردن بين الأردنين من أصل فلسطيني، والأردنيين من أصل أردني؟!

ومن زرع "الفئوية" بين أبناء الوطن الواحد؟؟

من قال أن الصراع ليس بيننا نحن الكادحين والمعدمين وبين المتنفعين أصحاب المناصب والشركات متعددة الجنسيات؟

من صبغ الأردن بصبغة فئوية، حتى بات الأردني يسأل في كل بقاع الدنيا عن أصله؟

من قال أن العامل الأردني لا يقف مع رفيقه العامل الآخر دون معرفة أصله حتى؟!

من قال، ومن زرع، ومن حصد، ومن صبـــغ؟!!

أليس واضحاً في الأردن بالذات الصراع الطبقي بين البرجوازيين والبروليتاريين؟!!

أليس واضحاً بأن الأولى، تزداد جشعاً وطمعاً ونهباً لمقدرات الوطن، بل وتعيث فساداً لحماية مصالحها، وتسرق قوتي وقوتك يا أخي ويا ابن عمي، أليس واضحاً بأن تلك الطبقة -من شتى الأصول والمنابت- تضرب بعرض الحائط كرامتي وكرامتك، وتمد يدها في جيبي وجيبك في كل يوم، وتأخذ عرق يومنا، يوماً بيوم.

أليس واضحاً بأن الثانية، تسحق في كل يوم أكثر وأكثر، بل وتهمش أكثر وأكثر، لأن العقل هنا، والفكرة هنا، والنضال هنا، والكفاح هنا.

آن لنا أن ندرك بأن الصراع في الأردن صراعاً طبقياً، بين البرجوازية التابعة والرثة، وبين البروليتاريا التي لا تكاد تقوى على العيش، بين أصحاب الشركات وقضايا الفساد، وبين أصحاب الوطن وقضاياه العادلة، بين من لا يرى عمّان سوى من الأعلى، وبين من لم يراها سوى من أرضها، بين من يقف أفضل طهاة العالم ليعدوا وجبة غدائه، وبين من يحصل على وجبة غدائه من صناديق القمامــة، وبكلمتين، بينهم، وبيننا.

الكادح يا أعزائي كادحٌ أياً كان أصله، والباحث عن عيش كريم، هو ذاته في كل أنحاء الأرض، له ذات الملامح، وذات الابتسامة التي تحمل طهر الكون، ورفيق النضال والكفاح والسلاح، هو من أفديه بدمي، ويفديني بدمه، وكلانا نمنح أرواحنا ودماءنا لبلادنا، والساعي للحرية، هو ذاته من أقصى وطني إلى أقصاه، ذلك الذي سيبقى كريماً على الدوام .. من الشام .. لبغدان .. ومن نجدٍ إلى يمنِ .. إلى مصر .. فتطـــوانِ .. ولو في وجهنا وقفت .. طغاة الإنس والجــانِ.