الأربعاء، 13 يونيو، 2012

جيفارا وأنا .. وحكاية عشق لن تنتهي – بقلم طلال عبدالله


نظرته ثاقبة، ولكنها هادئة في الوقت ذاته، ينظر صوب المجهول، ولا يرى سوى الثورة، له لحية غير منتظمة، تحمل طهر الأكوان، شعره طويل تختفي مقدمته تحت قبعة سوداء عليها نجمة خماسية، يمتلك كاريزما تظهر حتى في صوره الكثيرة، كاريزما الثائر العظيم، كايزما الإنسان، كاريزما دفعتني منذ سن مبكرة للبحث في أوراق هذا الثائر، والتعرف عليه أكثر وأكثر.



لم أكن قد تعرفت على فكره وأيدولوجيته بعد، ولم أكن قد آمنت بها أيضاً، حين بدأت السعي لمعرفة من هو ذلك الرجل الذي تنتشر صوره في كل مكان يعبر عن أي ثورة، بل وتتوزع محبته على قلوب أبناء العالم أجمع بالتساوي، أيّاً كان دينهم أو عرقهم أو إثنيتهم ... الخ.

"اسمه إرنستو جيفارا، يلقب بـ "تشي" أو "تشيه"، والتي تعد كلمة من التراث الأرجنتيني، على الرغم من أن الأرجنتين تتحدث الاسبانية، ولد في مدينة روزاريو الأرجنتينية، في مثل هذا اليوم الرابع عشر من حزيران/يونيو من العام 1928 لعائلة برجوازية، تخرج من كلية الطب في جامعة بيونس آيرس في العام 1953، ثار في كوبا، ومات في بوليفيا!!!"

تلك المعلومات المحدودة هي التي حصلت عليها في مرحلة دراستي الإعدادية، إلا أنها لم تكن مترابطة في حينها، ولم تكن كافية!

كيف لأرجنتيني أن يثور في كوبا ويموت في بوليفيا؟؟ وكيف لطبيب ينحدر من عائلة برجوازية أن يهجر دنياه المترفة لأجل الثورة؟؟!

فضولي في تلك الفترة كمراهق له من العمر أربعة عشر عاماً دفعني لمحاولة إيجاد الحقيقة، نظراً لكون تلك المعلومات التي حصلت عليها من أحد أساتذتي إبان مرحلة الدراسة الإعدادية، لم ترضي غروري، ولم تجب عن تساؤلاتي!! ما حكاية هذا الرجل؟؟ ماذا فعل ليخلده التاريخ بحروف من ذهب!!

سأبحث عنك في كتب التاريخ ...

وحيث لم تكن شبكة الانترنت منتشرة آنذاك كما في أيامنا هذه، كان الكتاب الوسيلة الوحيدة للبحث والعلم ومحاولة معرفة الحقيقة، ولأنني لم أكن وقتئذ أتنمي لأي فكر سياسي، بدأت بقراءة بعض الكتب التي تلخص حياة هذا الثائر، وكتاب له بعنوان "أحلامي لا تعرف حدوداً".

وجدت في الكتب ما كنت أبحث عنه، وعرفت كيف بدأ إحساس تشيه بالمظلومين والمهمشين من أبناء الريف في قرى الأرجنتين وأمريكا اللاتينية، من خلال رحلة قام بها في آخر سنة دراسية له في الجامعة على متن دراجة نارية في أنحاء أمريكا اللاتينية برفقة صديقه ألبيرتو غراندو، فانتمى إلى الجياع، وحاز المكانة في قلوب الفقراء.



ولأنه إنســـــان بكل ما تحمل الكلمة من معنى، قرر القتال في سبيل هؤلاء، وآمن بوحدة أمريكا الجنوبية، وبدأ بدراسة الأسباب الموضوعية للفقر والجوع والمرض والتهميش الذي يعانيه أبناء قارته، فلم يجد سوى وحشية الرأسمالية الاحتكارية، ومحاولة القوى الاستعمارية لدفن أحلام البسطاء والجياع، ولم يجد خلف ذلك كله سوى القوى الامبريالية التي تعيث في الأرض فساداً دون رقيب أو حسيب.

ولأنني مؤمن بأن طفولته أسهمت في تكوين شخصيته الثائرة، قبيل أن يصل إلى كوبا، اكتشفت بأن جيفارا كان ثائراً منذ نعومة أظافره، وبأنه ولد في الرابع عشر من أيار/مايو من العام 1928، إلا أن والدته لجأت إلى تسجيل تاريخ ميلاده في الرابع عشر من حزيران/يونيو 1928، لأسباب عائلية، وبأنه عاش طفولة سعيدة لم تخلو من أزمات الربو التي رافقته طوال عمره.

إلا أن تلك الأزمات الصحية تحولت في فترة طفولته وبدايات مراهقته لتصنع منه قارئاً متميزاً في تلك الفترة، فقد كان ينكب على الكتب على الرغم من صغر سنّه، كلما منعه الربو من اللعب، مما خلق حالة من طلاقة اللسان لدى جيفارا، وخلق قلماً لجيفارا، بدأ بالكتابة منذ الصغر، ليستقر ثورة في الحجر عند الكبر، في حين يجمع من كان حول جيفارا في طفولته على أنه كان يظهر وكأنه يسبق عمره بسنوات بسبب ذلك.



 أما رفاقه في المدرسة فقد أجمعوا على أن جيفارا كان يمتلك شجاعة عجيبة بالنسبة لسنه، وبأنه كان لا يعرف الخوف، فكان يتسلق الأشجار الشاهقة في حديقة المدرسة، ويذهب مع أصدقاء طفولته للقفز في برك الماء من ارتفاعات كبيرة نسبياً، في حين رأى الكادر التعليمي في المدرسة التي تلقى فيها جيفارا تعليمه المدرسي أنه كان حاد الذكاء، ويمتلك صفات القيادة منذ الصغر.

ومن المواقف التي قرأتها في أحد الكتب التي تتحدث عن جيفارا واستوقفتي، تقول مربيته بأن تشيه عاد في أحد الأيام من المدرسة إلى البيت دون معطفه، فسألته عن ذلك، فما كان منه إلا أن قال لها: "أنا أمتلك معطفين، وأحد الأطفال في المدرسة لا يمتلك معطفاً، فأعطيته إياه"، في حين تروي كتب أخرى قصة له وهو ابن العاشرة تظهر شخصيته القيادية، حيث أخذ أقرانه للاحتجاج على رفع شركة الكهرباء لتسعيرة الكهرباء في المدينة التي كان يقطنها مع أهله، وقاموا بتحطيم المصابيح الخارجية للمبنى بإلقاء بعض الحجارة عليها من بعيد.

شبَّ تشيه، واشتد عوده، وبدأ وعيه السياسي والثوري بالظهور منذ سنواته الأولى في الجامعة، وعقب جولته الشهيرة على متن دراجته الهوائية، بدأ بمحاولة إيجاد الحلول لمشاكل العالم، والبسطاء والمهمشين، عقب ما شاهده من تناقض بين الغني والفقير، بعيد احتكاكه بهم في جولاته اللاتينية، وربط ما يعيشونه بالظلم الاجتماعي، ذلك الذي تفرضه الامبريالية الاقتصادية للولايات المتحدة والقوى الرأسمالية في العالم، فلم يجد سوى الثورة العالمية.



ثائر في كوبا ...

هجر الطب والمال، وحزم أمتعته، ورأى بأن الثورة الأممية هي الحل، فبدأ في غواتيمالا، من خلال دعم النظام اليساري للرئيس أربينز، إلا أن الولايات المتحدة أبت على جيفارا أن يعيش حلمه، فأطاحت بحكومة أربينز من خلال وكالة الاستخبارات الأمريكية، التي خططت وحثت على الانقلاب، الأمر الذي قاد تبلور فكرة الثورة الاشتراكية المسلّحة في ذهن جيفارا آنذاك.

غادر غواتيمالا، فتوجه إلى المكسيك، وتعرف فيها على رفيق الثورة الكوبي فيديل كاسترو، في حين كانت كوبا تعاني الأمرين تحت حكم باتيستا، الفاسد والتابع للهيمنة الامبريالية، أما كاسترو فكان قد نفي من كوبا عقب اعتقاله على يد رجال باتيستا بصفته أحد أبرز المعارضين لنظام حكم باتيستا.

وفي المكسيك اعتقل رفاق الثورة المستقبليين، في الوقت الذي كانوا فيه يخططون لاجتياح كوبا، وإسقاط نظام باتيستا، وأفرج عنهم ليبدأوا بالتحضير للثورة، بل وليبدأوا بها، بجيش قوامه 17 رجلاً فقط، طاردتهم القوات الحكومية لأشهر، إلا أن إيمانهم بعدالة قضيتهم، قاد انتصارهم، فقد بدأ الكوبيون بالانضمام إلى صفوف الثورة بسبب جيفارا!!



نعم، بسبب جيفارا، فقد بدأوا بسماع أخبار الثورة، وبأن رجلاً أرجنتينياً يحمل روحه على راحته في الجبال، ومستعد للموت من أجل كوبا، فأصدر كاسترو أمراً بترقية جيفارا إلى أعلى منصب في الثورة، ومنحه النجمة الخماسية التي لازمته على قبعته حتى وفاته.

وقد ظهرت عبقرية جيفارا السياسية والثورية والعسكرية في الثورة الكوبية، وظهر حقده الدفين لكل خائن، فلم يتردد لحظة في إطلاق النار على الخونة في صفوف الثوار، فانتصرت الثورة، ودخل الثوار العاصمة الكوبية هافانا في العام 1959، لتبدأ في كوبا مرحلة النضال السياسي، والتي لم يرى فيها جيفارا مكاناً له.



صورة جيفارا التي تملأ الدنيا ...

فضولي ذاته دفعني للبحث عن قصة الصورة على تعرفت من خلالها على تشيه، تلك الصورة التي ينظر فيها جيفارا نحو المجهول، هي نظرة ثاقبة، ولكنها حزينة وغاضبة في الوقت ذاته، ومع البحث، وجدت بأن هذه الصورة الأشهر لجيفارا التقطت له في كوبا عام 1960، عقب قيام قوى الثورة المضادة المتحالفة مع الولايات المتحدة في كوبا بتفجير سفينة للأسلحة في أحد موانئ هافانا، مما أسفر عن مقتل حوالي 100 شخص على الأقل.

تشيه الثائر الخجول، كان متأثراً أثناء مشاركته في الموكب الجنائزي للضحايا، حيث التقطت تلك الصورة له، لتبقى في قلب كل ثائر، وكل من أحس بالظلم، فآمن بأن ثمة وطن له أينما وجد.



جيفارا العامل ..

ولأن الكلمات لا تصف مدى إنسانيته، ولأن التاريخ لا يملك سوى أن ينحني للثائر الحق، كان على الجميع أن يتعلم منه، فعلى الرغم من جميع المناصب التي تقلدها في كوبا، كان يشارك العمال عملهم في المصانع، ويشارك عمال البناء عملهم في كافة أرجاء كوبا، ويتفقد الفلاحين والبسطاء، ولأنه آمن بأن على كوبا الاتكال على نفسها بدلاً من الاتكال على الاتحاد السوفياتي، ولأنه ثائراً، غادر كوبا، ليبحث عن ثورة جديدة.



كان صاحب الفضل الأول في الإصلاح الزراعي ومحو الأمية، كان جيفارا، ذلك الطفل الذي منح طفلاً آخر معطفه لأنه يملك اثنين، كان الرمز، وكان الأسطورة.



إن الثورة تتجمد وإن الثوار ينتابهم الصقيع حين يجلسون فوق الكراسي ...

غادر تشيه كوبا في العام 1965، لأن الثورة تعيش في قلبه، وترك كل المناصب، فاختفى عن الأنظار والأضواء، مما دفع الولايات المتحدة للتأكيد على أن كاسترو قام بتصفية جيفارا، فلم يكن أمام الزعيم الكوبي سوى الكشف عن رسالة بخط يد تشيه، كان قد تركها له قبيل مغادرته لكوبا، يقول فيها:

" أشعر أني أتممت ما لدي من واجبات تربطني بالثورة الكوبية على أرضها، لهذا أستودعك، وأستودع الرفاق، وأستودع شعبك الذي أصبح شعبي. أتقدم رسمياً باستقالتي من قيادة الحزب، ومن منصبي كوزير، ومن رتبة القائد، ومن جنسيتي الكوبية، لم يعد يربطني شيء قانوني بكوبا.

إن الثورة تتجمد وإن الثوار ينتابهم الصقيع حين يجلسون فوق الكراسي، وأنا لا أستطيع أن أعيش ودماء الثورة مجمدة داخلي".

ترك المناصب في هذه المرة، وتوجه إلى أفريقيا لقيادة الثورة في الكونغو، ولأسباب تتعلق بعدم الكفاءة والتعنت والصراع الداخلي بين القوات الكونغولية المحلية، والخلافات الحادة بين الكونغوليين أنفسهم، لم تنجح ثورة الكونغو، وقرر تشيه مغادرة الكونغو، إلى بوليفيا هذه المرة.



المحطة الأخيرة .. بوليفيا ...

ولأن الثورة هاجسه الأوحد، ترك الكونغو، وغادرها متخفياً، فقد بات شكل جيفارا معروفاً للجميع، وأصبحت الولايات المتحدة والقوى الامبريالية لا تفكر سوى في تصفيته، لأنه رجلٌ حمل الثورة في قلبه، ولم يخف، وجاب العالم بحثاً عن عالم أفضل للإنسانية، ولم يستسلم.



ولأن الثائر لا يخشى الموت، بل يتوقعه في كل لحظة، فقد كتب لزوجته وأولاده وهو في طريقه إلى بوليفيا يقول لهم:

"أعزائي .. هيلديتا .. وأليديتا .. وكاميلو .. وثيليا .. وإرنستو، إذا حدث وقرأتم هذا الخطاب فسيعني ذلك أنني لم أعد موجوداً معكم مرة أخرى، ربما لن تتذكروني جيداً، ولاسيما الأصغر منكم فلن يتذكر بالمرة.

لقد كان أبوكم رجلاً تصرف حسب معتقداته وظل بكل تأكيد وفياً لكل ما آمن به.

إكبروا ثوريين صالحين، استذكروا دروسكم جيداً واجتهدوا لكي تتقنوا التكنولوجيا التى تمكننا من السيطرة على الطبيعة، تذكروا أن الثورة هي المهمة وأن كل منا بمفرده غير مهم، وفوق كل شئ كونوا قادرين دوماً على الإحساس بالظلم الذي يتعرض له أي إنسان مهما كان حجم هذا الظلم، وأيا كان مكان هذا الإنسان، هذا هو أجمل ما يتصف به الثوري.

وداعاً إلى الأبد يا أطفالي، وإن كنت لا زلت آمل أن أراكم مرة أخرى، لكم جميعاً قبلة كبيرة كبيرة وحضن كبير كبير من بابا".

وصل إلى بوليفيا أخيراً، وهو يحمل هموم الفلاحين والعمال والكادحين، وصل إلى بوليفيا، وعينه على مسقط رأسه في الأرجنتين، وصل إلى بوليفيا، ليقود ثورة جديدة، ويحارب في سبيل تحقيق العدالة، وسط إيمان عميق بأنه سيقود الثورة في الأرجنتين عقب بوليفيا، ولكنه لم يكن ليعلم بأن بوليفيا ستكون محطته الأخيرة، وبأنه لن يقود ثورة في الأرجنتين.



نعم، لن يقود ثورة في الأرجنتين، ولكنه قاد ثورة في قلوب الأرجنتينيين، بل في قلب كل ثائر وإنسان في التاريخ الحديث، وصل إلى بوليفيا، وسقط شهيداً فيها، عقب أن ملأ الدنيا ثورة من أجل الجياع، وما أصعب أن تسقط في يد الأعداء بوشاية من هؤلاء الذين أفنيت عمرك في الدفاع عنهم!!!

بدأ بتسليح الرجال، وإعدادهم للثورة في بوليفيا، وبدأ بزرع الروح الثورية في قلوبهم، في أحراش وجبال بوليفيا، وحيث لم يكن حوله سوى 50 رجلاً، فقد جلبوا أنظار العالم بأسره، وبدأوا بالسقوط في سبيل الثورة واحداً تلو الآخر، وسط ملاحقة العالم بأجمعه لهؤلاء الرجال، واجهوا الكوماندوز والجيش البوليفي، واجهوا العالم الامبريالي المتوحش بأكمله، فضربوا العدو، وأوجعوه.

ولأن الربو لازمه طوال حياته، فقد حاربه بالسيجار، وفي يده السلاح، لم يكن ليستسلم، ليس القديس جيفارا من يفعلها!!

وبطبيعة الأمر فقد كان الثوار يتنقلون بين القرى البوليفية للتزود بالطعام والذخائر، معالجة المرضى والمصابين، أما أهل القرى فكانوا يمنحون الجيش البوليفي معلومات كافية عن الثوار وتحركاتهم، فكان وصول الجيش إلى مكان الثوار في لييرا سهلاً، ليحاصر تشيه ورفاقه هناك.

ولأنه تشيه، فقد ظل يقاتل حتى آخر طلقة في مسدسه على الرغم من أنه جرح في المعركة، ولكن ضباع الأرض تكالبت عليه، فالأسد حين يسقط تكثر من حوله الضباع، اعتقل تشيه، وسجل أروع مشاهد الثورة، ليصبح رمزاً لها في كل أنحاء الأرض.

أسطورة إعدام تشيه .. وانحناء الكون والكائنات احتراماً وتقديراً ...

اعتقل تشيه وهو جريح، لم تداوى جراحه، وقرر "أسياد العالم الحر" تصفيته، فما كان منه إلا أن أظهر رباطة جأش لا توجد لدى غالبية بني البشر، أطلقوا الرصاص على ساقه اليمنى، فلم يظهر إلا المزيد من رباطة الجأش، فإحساسه بالثورة أكبر من أي إحساس بالألم، وإحساسه بالألم كان محصوراً على الظلم، فكان يحس بألم كل صفعة توجّه إلى مظلوم، ليكون وطنه أينما وجد الظلم.



وقف تشيه في وجه أعدائه، شامخ الرأس، وجسده منهك بالمرض والجراح، وقف وبزته العسكرية ممزقة، وقدماه مغطتان بأغماد الجلود الخشنة، وقف مستنداً إلى الجدار، على الرغم من القيود التي التفت يداه وقدماه، وركل أحد الضباط، وبصق في وجه الأميرال البوليفي أوجاشي، وقال كلمته الشهيرة:

"أطلق النار أيها الجبان، فأنت لن تقتل إلا رجلاً".

استعد للموت، وبقي شامخاً كجبال الأرجنتين، ولأنه تشيه، فقد خشي الجلاد من إطلاق النار عليه، تردد، وخاف من نظرات جيفارا الحادة، وأطلق رصاصاته أخيراً، فأصابت جسد جيفارا الطاهر في الذراعين والساقين، فيد الجلاد كانت ترتجف، فسقط البطل على الأرض، وقضم رباط معصميه ليتجنب الصراخ، صراخ ألم الغدر، صراخ ألم الرصاصات التسعة التي اخترقت جسده، كانت آخرها في صدره الثائر.

استشهد تشيه، وتناقلت وكالات الأنباء خبر مصرع الأسطورة، في حين أقدمت الولايات المتحدة على حقن جثة البطل بالفورماليدهايد، وعرضوا جثته على الملأ، ليؤكدوا للعالم على أن "جيفارا مات"، فأصبح جيفارا "المعبود الثائر".



ولأن سذاجتهم لا تقدر بثمن، دفنوا جثة تشيه في مكان غير معلوم، ولم يعلموا بأنه دفن في قلوب الملايين، لم يعلموا بأنه سيصبح رمزاً للثورة، ولم يعلموا بأن جميع الكائنات حزنت على وداعه، لم يعلموا بأننا سنرثيه في كل يوم.

سنرثيه بالقصائد .. سنرثيه بقميص نرتديه .. سترثيه بوطن وثورة .. سنرثيه كلما سمعنا جملته الشهيرة:

"إن الثوار يملأون العالم ضجيجاً، كي لا ينام العالم بثقله على أجساد الفقراء".

سنرثيه أينما وجد الظلم، سنرثيه كلما كان الطريق مظلم وحالك، سنرثيه كلما تألم مظلوم، سنرثيه كلما ذكرت الثورة، سنرثيه لأننا مؤمنون تماماً بأن الشعوب وحدها هي القادرة على تحرير أنفسها.



عذراً درويش، فأنا لا أريد لهذه المقالة أن تنتهي ...

أردتها مقالة، وإذ بها تتحول لسرد تاريخي عن حياة هذا القديس، وتذكرت بأن الكثير من أبناء جيلي لا يعلمون أي شيء عن تشيه، فأردتها تعريفاً بالثائر الأممي، ولأنه تشيه، لم تكن هذه المقالة لتكون قصيرة، فالأوراق أبت إلا وأن أكمل حكاية تشيه بالمختصر، ولأنه تشيه، فأنا لا أريد لهذه المقالة أن تنتهي.

كم تمنيت أن أكون جندياً تحت إمرتك يا تشيه، كم عشت أحلامك، ولا أزال!!



فلتسكت كل أصوات الكون في صمت مقدس، ففي مثل هذا اليوم، ولد أعظم ثائــرٍ في التاريخ، بل ولد المعنى الحقيقي لـ "الطهارة الثورية".

سأذكرك في كل يوم يا تشيه، وسأحملك في قلبي كلما طالب مظلوم بحقه، سأعلق صورك على الجدران، وسأرتدي دوماً قميصاً عليه صورة لك، ستبقى في رأسي تحثني على الانحياز للفقراء والبسطاء والكادحين، وسأقاتل في كل يوم لأكون مثلك، لأكون مثل تشيه!!







جيفارا مات .. جيفارا مات
آخر خبر في الراديوهات
وفي الكنايس .. والجوامع
وفي الحواري .. والشوارع
وعَ القهاوي وعَ البارات
جيفارا مات
واتمد حبل الدردشة والتعليقات

مات المناضل المثال
يا مية خسارة عَ الرجال
مات الجدع فوق مدفعه جوّه الغابات
جسّد نضاله بمصرعه .. ومن سُكات
لا طبالين يفرقعوا .. ولا اعلانات

ما رأيكم دام عزكم يا أنتيكات؟
يا غرقانين .. في المأكولات والملبوسات
يا دفيانين .. ومولعين الدفايات
يا محفلطين يا ملمّعين يا جيمسنات
يا بتوع نضال آخر زمن .. في العوامات
ما رأيكم دام عزّكم؟
جيفارا مات
لا طنطنة
ولا شنشنة
ولا إعلامات واستعلامات

عيني عليه ساعة القضا
من غير رفاقه تودّعه
يطلع أنينه للفضا
يزعق ولا مين يسمعه
يمكن صرخ من الألم
من لسعة النار في الحشا
يمكن ضحك
أو ابتسم
أو ارتعش
أو انتشى
يمكن لفظ آخر نفس كلمة وداع
لَأجل الجياع
يمكن وصية للي حاضنين القضية
بالصراع
صور كتير .. ملو الخيال
وألف مليون إحتمال
لكن أكيد ولا جدال
جيفارا مات موتة رجال

يا شغالين ومحرومين
يا مسلسلين
رجلين وراس
خلاص خلاص
مالكوش خلاص
غيرالبنادق والرصاص
دا منطق العصر السعيد
عصر الزنوج والأمريكان
الكلمة للنار والحديد
والعدل أخرس أو جبان

صرخة جيفارا يا عبيد
في أي موطن أو مكان
ما فيش بديل
ما فيش مناص
يا تجهّزوا جيش الخلاص
يا تقولوا عَ العالم
خلاص
أحمد فؤاد نجم (1967)






الأربعاء، 6 يونيو، 2012

أزمة الهوية الوطنية الأردنية – بقلم طلال عبدالله


هي جملة قالها الفنان الأردني موسى حجازين في مسرحيته "الآن فهمتكم" تلمس واقعاً سأتناوله في الأسطر القليلة القادمة، هي جملة تجسد بالفعل حالة نلمسها في الكثير من الأحيان للأسف الشديد، جملة قالها أبو صقر لأخيه الذي عاد إلى الأردن بعد طول غياب سائلاً عن بعض الجيران، فرد عليه أبو صقر بأن أولاده وأولادهم تشاجروا منذ آخر "مباراة"، وأكد له على أن بعض الأصابع الخفية تلعب بهم، قائلاً: "مهو ياخوي وقت ما بدهم بخلونا إخوان وحبايب، ووقت ما بدهم بقلبونا على بعض".



يعيش الأردن في هذه الأيام بالذات وعقب عام ونيّف على بدء الحراك الشبابي والشعبي المطالب بالإصلاح في البلاد أزمة هوية حقيقية، أزمة تفقد الشارع زخمه حيناً، وترهق الأغلبية الصامتة حيناً آخر.

والحقيقة أنني ترددت كثيراً في كتابة هذه الأسطر، لأنني على علم تام بحساسية موضوع الهوية الوطنية في الأردن، إلا أن السكوت لم يعد ممكناً، ولا بد من تنظيف الجرح بالضغط عليه لكي لا يكون عرضة للالتهاب، وبصفتي أؤمن بفكر يرى بأن تاريخ أي مجتمع حتى الآن ما هو إلا تاريخ صراعات طبقية، فسأحاول جاهداً تحليل الموضوع من ذلك المنطلق، عقب الحديث قليلاً عن أزمة الهوية الوطنية بشكل عام، ومراحل تكونها.

تعود جذور أزمة الهوية الوطنية الأردنية إلى زمن سابق، وعهد قديم، في ظل تداخل الهويتين الفلسطينية والأردنية، وصعوبة الفصل بينهما، ولاعتبارات أخرى كوحدة الضفتين، واحتلال فلسطين وتهجير شعبها إلى الدول المجاورة، وبالأخص الأردن، ناهيك عن عامل قد يكون الأهم في هذا كله، عامل الحرب الأهلية في الأردن، والتي عرفت بـ "أيلول الأسود"، وكانت في واقع الأمر قتالاً بين فصائل المقاومة الفلسطينية والجيش العربي الأردني، ولم تكن بين أبناء الشعبين الشقيقين.

وبحسب ما قاله لنا التاريخ، فإن العام 1950 شهد وحدة بين جناحي نهر الأردن، عقب هزيمة العام 1948، واستيلاء العصابات الصهيونية على 78 بالمئة من أرض فلسطين التاريخية، فتشكل الأردن بضفتيه، وأصبح المواطن في الضفتين أردنياً، ليستمر الحال على ما هو عليه، حتى المرحلة الثانية، نكسة 1967، واحتلال الضفة الغربية لنهر الأردن إلى جانب قطاع غزة.

وفي اعتقادي فإن أهم تاريخ في بدء تشكل تلك الأزمة كان "أيلول 1970"، إلا أن ذلك التاريخ لم يكن سوى تطور لتاريخ "حزيران 1967"، ففي الخامس من حزيران 1967، احتل الكيان الصهيوني الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث كانت الضفة آنذاك تحت حكم الأردن، فيما كان القطاع تحت حكم مصر، مع الإشارة إلى أن سكان الضفة كانوا يحملون جوازات سفر أردنية، فكانوا بذلك مواطنين أردنيين.

لن أدخل في تفصيلات تاريخية نعرفها جميعنا، إلا أنني أحاول ذكر بعض المحطات التي أسهمت في تبلور الفئوية في الأردن بخريطته الحالية، والتي اتضحت معالمها كخريطة في العام 1988، عندما أعلن العاهل الأردني آنذاك الحسين بن طلال عن قرار فك الارتباط بين الضفتين، عقب اعترافه بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني بطلب من مؤتمر القمة العربي والذي عقد في ذلك الوقت في الرباط.

وعقب ذلك التاريخ لم يعد من الممكن الحديث عن وجود أزمة، فقد أضحى الفلسطيني فلسطينياً أيّاً كان أصله، والأردني أردنياً أيّاُ كان منبته، في دولتين متجاورتين لشعبين شقيقين، بل توأمين، نزفا دماءً طاهرة في غور الأردن سوية في العام 1968، فاختلطت الدماء، وانسجمت في تناغم أذهل العالم، فتشكلت الكرامة الوطنية، لتؤكد على أن دم الأشقاء واحد.

تقسمنا على يدهم وكل الناس تتكتل يا هويس ...

إذن فقد تشكلت الهوية الأردنية التي نعرفها وبشكلها الحالي عقب قرار فك الارتباط بين الضفتين، وأضحينا نرى شعباً أردنياً له أصول عدة، وشعباً فلسطينياً على الضفة الأخرى له أصول عدة، تماماً كما هو حال كل شعوب الأرض، ولكن الأهم في حالتنا، أنهما شعبين عربيين لوطنين عربيين، وفي نظري، فهما شعب واحد لوطن واحد، بل وشعب واحد لسوريا الكبرى، بل وشعب واحد لأمة عربية واحدة.

على أية حال فقد قسمتنا خطوط البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا بيكو، ولو أن يد أحدهما ارتجفت وهو يقسم خريطة وطننا العربي، لرأينا دمشق في الأردن، والقدس في لبنان، والقاهرة في ليبيا، والجزائر في تونس، وبغداد في سوريا.

ولكن الأدهى والأمر أن القوى الاستعمارية نجحت في تقسيم أبناء الوطن العربي، لا على أساس دولهم فحسب، بل على أسس أعراقهم، إثنياتهم، طوائفهم، أديانهم، أصولهم، ... إلخ، وورثت تلك القوى التقسيمات لأنظمتنا العربية، لتستغلها وقت ما شاءت وكيف ما شاءت، وتشتتنا أكثر وأكثر، وتغرقنا في نزاعات لا تسهم إلا في تعميق الجرح العربي، وبقائهم.

بالعودة إلى الهوية الأردنية، آن لشعبنا العربي الأردني ممثلاً بكافة أصوله ومنابته أن يعلم بأن معركته الكبرى مع الفساد، ومع من يسرق قوته وقوت أبنائه، لا مع أخيه من أم أخرى، وبأن حق العودة مقدس، وليس هناك من يقبل بوطن بديل عن فلسطين في أي دولة مجاورة، آن لنا أن ندرك بأن "العود محمي بحزمته .. ضعيف حين ينفرد".



الصراع الطبقي الأردن .. أساس الصراع في المجتمع الأردني .. بل وفي الوطن العربي

إن التعمق في الطبيعة البشرية وفي كيفية تطور المجتمعات ونشأتها، يؤكد لنا بأن الصراع الطبقي كان دوماً جوهر الصراع في أي مجتمع، فإذا نظرت إلى أي مجتمع سترى طبقة برجوازية مسيطرة وحاكمة في أي مجتمع، أو قد تكون متنفعة من السلطة، تلك التي تسمى البرجوازية الرثة أو التابعة، ومن المعروف بأنها طبقة غير منتجة، ولكنها تقتات على دماء العمال وفائض قيمة عملهم، من خلال السيطرة على وسائل الإنتاج.

ومما لا شك فيه بأن العدو الأول لتلك الطبقة هم البروليتاريون، أو الطبقة العاملة، الغالبية الساحقة لأي مجتمع، تلك التي يضيع حقها دائماً، بسبب هؤلاء، وهي التي تسعى وتكافح وتناضل لتعيش عيشة كريمة، وكما تعلمنا من البيان، نقول: "البرجوازية لم تصنع، فحسب، الأسلحة التي تودي بحياتها، بل أنجبت أيضاً الرجال الذين سيستعملون هذه الأسلحة: العمال العصريين أو البروليتاريين".

أما آن لنا أن ندرك حقيقة جوهر الصراع مع العدو الصهيوني؟!

لن نخدع بكلمات السلام الزائفة، فقد بتنا على علم بأن الكيان الصهيوني يسعى لتصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن، الأمر الذي لا بد أن يدفعنا إلى المزيد من النضال للوقوف سدّاً منيعاً في وجه المشروع الصهيوني، كما ولا بد أن يدفعنا للتمسك أكثر بحق العودة، ورفض إنشاء الوطن البديل.

وأعتقد بأن الكيان الصهيوني يسعى لتصفية القضية الفلسطينية على حساب كل دول الجوار الفلسطيني، من خلال توطين اللاجئين في كل من سوريا، لبنان، والأردن، أي في كافة دول الجوار الفلسطيني تقريباً، وتحديداً في دول الجوار الفلسطيني في سوريا الكبرى، وبلا شك أن تلك المشاريع الصهيونية تلقى رواجاً لدى ما يسمى بالسلطة الوطنية الفلسطينية، بل والأنظمة العربية كافة، فقد باتت السلطة تتحدث عن حل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين، ولم تعد تذكر حق العودة.

حل عادل ومتفق عليه!!! بأي عين تقولونها؟! وبأي حق؟! بأي حق يا من تدلت عمائمكم فوق أعينكم، وسيوفكم العربية نسيت سنوات الشموخ، حقيقة قالها لكم أمير شعراء الرفض قبيل رحيله، وكأنه كان على علم بما ستؤول إليه الأمور، وإن كان هذا حالكم مذ ذلك الوقت!!!!

حل عادل ومتفق عليه لموضوع اللاجئين، أي وبعبارة أكثر صراحة يتجنب الجميع النطق بها: "تعويض اللاجئين بالمال، وتوطينهم في البلاد التي يقطنونها، ولا عودة لهم".

السؤال المطروح هنا، والذي يجب أن نسأله لأنفسنا باستمرار: كيف يمكننا مجابهة المشروع الصهيوني في الأردن؟!

سأترك الموضوع على بساطته، وأترك لكم عملية التحليل والربط والتفكير في إجابات لأسئلة كثيرة، ولن أخوض أكثر في طرح "الصراع الطبقي"، ولكنني بحاجة إلى بعض الإجابات من كل فئوي في الأردن قبيل الختام ...

من قال أن الصراع في الأردن بين الأردنين من أصل فلسطيني، والأردنيين من أصل أردني؟!

ومن زرع "الفئوية" بين أبناء الوطن الواحد؟؟

من قال أن الصراع ليس بيننا نحن الكادحين والمعدمين وبين المتنفعين أصحاب المناصب والشركات متعددة الجنسيات؟

من صبغ الأردن بصبغة فئوية، حتى بات الأردني يسأل في كل بقاع الدنيا عن أصله؟

من قال أن العامل الأردني لا يقف مع رفيقه العامل الآخر دون معرفة أصله حتى؟!

من قال، ومن زرع، ومن حصد، ومن صبـــغ؟!!

أليس واضحاً في الأردن بالذات الصراع الطبقي بين البرجوازيين والبروليتاريين؟!!

أليس واضحاً بأن الأولى، تزداد جشعاً وطمعاً ونهباً لمقدرات الوطن، بل وتعيث فساداً لحماية مصالحها، وتسرق قوتي وقوتك يا أخي ويا ابن عمي، أليس واضحاً بأن تلك الطبقة -من شتى الأصول والمنابت- تضرب بعرض الحائط كرامتي وكرامتك، وتمد يدها في جيبي وجيبك في كل يوم، وتأخذ عرق يومنا، يوماً بيوم.

أليس واضحاً بأن الثانية، تسحق في كل يوم أكثر وأكثر، بل وتهمش أكثر وأكثر، لأن العقل هنا، والفكرة هنا، والنضال هنا، والكفاح هنا.

آن لنا أن ندرك بأن الصراع في الأردن صراعاً طبقياً، بين البرجوازية التابعة والرثة، وبين البروليتاريا التي لا تكاد تقوى على العيش، بين أصحاب الشركات وقضايا الفساد، وبين أصحاب الوطن وقضاياه العادلة، بين من لا يرى عمّان سوى من الأعلى، وبين من لم يراها سوى من أرضها، بين من يقف أفضل طهاة العالم ليعدوا وجبة غدائه، وبين من يحصل على وجبة غدائه من صناديق القمامــة، وبكلمتين، بينهم، وبيننا.

الكادح يا أعزائي كادحٌ أياً كان أصله، والباحث عن عيش كريم، هو ذاته في كل أنحاء الأرض، له ذات الملامح، وذات الابتسامة التي تحمل طهر الكون، ورفيق النضال والكفاح والسلاح، هو من أفديه بدمي، ويفديني بدمه، وكلانا نمنح أرواحنا ودماءنا لبلادنا، والساعي للحرية، هو ذاته من أقصى وطني إلى أقصاه، ذلك الذي سيبقى كريماً على الدوام .. من الشام .. لبغدان .. ومن نجدٍ إلى يمنِ .. إلى مصر .. فتطـــوانِ .. ولو في وجهنا وقفت .. طغاة الإنس والجــانِ.