الاثنين، 30 أبريل، 2012

العمّال .. أساس كل ثورة على الظلم .. إذن؛ فهم أصحاب الحق في الحكم - بقلم طلال عبدالله


من المؤكد أننا نعيش في عصر يكتب فيه التاريخ بأحرف من ذهب، وبالأخص إذا ما تحدثنا عن منطقتنا العربية، فبعد سبات عميق، عاد العرب ليكتبوا تاريخهم بالدماء، وتذكروا مجدداً بأن العربي يعشق العيش الكريم، ولا يسكت على ظيم أبداً، عادوا ليتصدروا أحاديث البسطاء في أقاصي الأرض، وعادوا!!

حري بنا إذن أن ندرس ثوراتنا العربية بشكل معمق، وعلينا أن نعرف أسباب الانتصار ونقاط الضعف، إذ يقع على عاتقنا اليوم تحليل تلك الثورات ومعرفة سبل النهضة التي ننشدها، تلك الدراسة يجب أن لا تخلو من النقد، فالعاطفة وحدها لا تقود دوماً إلى الخيارات والقرارات الصحيحة، بل على العكس، قد تقودنا عاطفتنا إلى ما هو مدمّر (بكسر الميم).

انطلقت شرارة الثورة العربية العظيمة من تونس، و"في وضح النهار يتسلّق "صالح" برج ساعة 7 نوفمبر، رمز نظام بن علي في تونس، ليعلن القيامة"، كما يقول كمال الرياحي في روايته "الغوريلا"، هي ثورة كسرت حاجز الصمت والخوف، وأكدت مجدداً على أن الظلم والفساد لا يستمران إلى الأبد، وأن الليل مهما بدا حالكاً، فمصيره إلى زوال.

وفي اعتقادي فإن الجماهير الثورية في تونس بحاجة إلى استكمال مراحل الثورة، وبالأخص إذا ما نظرنا إلى الأوضاع في تونس عقب عام على قيام الثورة، الحقائق على أرض الواقع تشير إلى أن هنالك من يستغل الثورة، وتلك الحقائق ذاتها تشير إلى أن من وصل إلى الحكم في تونس لا ينوي فك تبعية تونس للغرب، إذن؛ فعلى الثورة استكمال مراحلها.

وعلى أهل تونس أن يعلموا بأن "الإضرابات العماليّة" هي أحد المسببات الرئيسية لسقوط رأس النظام ممثلاً ببن علي، إذ أن احتجاجات الجماهير دون إضرابات عمّالية قد تأخذ سنوات طويلة دون تحقيق أي نصر يذكر، وذلك نظراً لكون الإضرابات العمّالية تشلّ الحياة في مرافق أي دولة، مما يجعل الانتصار ممكنناً.

لا أريد أن أطيل هنا، ولا أن أدخل في تفاصيل المشهد التونسي، أو أي مشهد آخر في الثورة العربية، إلا أنني أحاول أن أهدي كل ثورة وردة من كلمات، قد تفيد البعض، وقد ينتقدني عليها البعض، وقد تفتح عليّ أبواب جهنم بسبب بعض ما أقول، ولكنني على ثقة بأنني كلما تعرضت لهجوم "خالٍ من المضمون" -كذلك الذي يجيده ويتقنه البراغماتيون أصحاب الرايات الخضراء-، فهذا يعني أنني أسير في الطريق الصحيح، وبالتأكيد فأنا لا أتحدث هنا عن النقد البنّاء، فذلك مطلوب، بل ومرحب به.

على أية حال، أنتقل الآن إلى الوردة المصرية، الأجمل والأبهى والأكمل والأروع، تلك الثورة التي أهديتها مقالاً بعنوان "تحية لمصر .. أم الدنيا"، ومقالاً آخر يصف مشاعري عند زيارتها عقب الثورة بعنوان "زيارة لمصر .. ما بعد الثورة"، هي ثورة على البغي والظلم والفساد، طاهرة كالثورة التونسية، أسقطت رأس نظام أذاق مصر عذابات وويلات التبعية، ومضى الوقت، لتؤكد لنا الأيام على أن ميدان التحرير هو مكان منح الشرعية في مصر، وبأن الثورة لا تزال مستمرة!!

ولكن الحال لم يختلف كثيراً في مصر عمّا هو في تونس، فبنية النظام الأساسية لا تزال قائمة في مصر، ولا تزال التبعية عنواناً للمشهد المصري "على مستوى القيادة"، أقول على مستوى القيادة لأن الشعب لم يكن يوماً تابعاً للهيمنة الامبريالية الصهيو-أمريكية، في الوقت الذي كشّرت فيه "الثورة المضادّة" عن أنيابها في مصر، وسفكت دماء الشباب الثائر، حتى وصل الأمر بها إلى إلقاء جثث الشهداء في حاويات النفايات، والاعتداء بشكل سافر على حرائر مصر وسحلهنّ في الشوارع بعد تعريتهنّ من ملابسهنّ.

ونظراً لأهمية الدور السياسي والاقتصادي الذي تلعبه مصر على الساحة، فكان لا بد من وصول "الانتهازيين" إلى السلطة، وذلك لضمان استقرار وأمن الكيان الصهيوني، وبالفعل فإن هذا ما حدث، تخلّى الطامعون في المناصب عن ركب الثورة، ولحقوا بالأسياد ليكونوا بذلك "أسياداً"، كما يصنّفون أنفسهم، وليبقى "العبيد" في الميادين!!

تلك أمانيّهم، فشعب يعود تاريخه إلى سبعة آلاف عام لن يرتضي بقاعدة "الأسياد والعبيد"، لذلك فقد أصّر الشعب المصري على إكمال ثورته على الظلم والقهر والفساد والتبعية، وهتف مطالباً بإسقاط من ظنّهم حموا الثورة، وأثبت بالفعل على أنه مانح الشرعية في مصر، لذلك فإن الأمل الوحيد للأمة العربية بأسرها في الوقت الحالي هو إكمال مراحل الثورة المصرية حتى النصر، كما يقول الأستاذ الدكتور هشام غصيب.

وفي مصر أيضاً، كانت "الإضرابات العماليّة" أحد المسببات الرئيسية لسقوط رأس النظام ممثلاً بمبارك، مما يؤكد مجدداً على أن العمّال والطبقات الكادحة هي عماد المجتمعات، بل والركيزة الأساسية في كافة المجتمعات، وعيها "قوة ضارية"، وعجزها "نكسة جارية".

إلى البحرين واليمن، تلك الثورات المنسيّة، والتي لن يغفر لنا التاريخ تقاعسنا اتجاهها، فهي وعلى الرغم من "الزخم الجماهيري" الذي نجحت في تكوينه، إلا أنها تفتقر حتى وقتنا الحاضر إلى "انضمام الكادحين لها"، كما وتفتقر إلى "الإضرابات العمّالية" التي تحدثنا عنها آنفاً، لذلك فإن تلك الأنظمة لا تزال على حالها، فالنظام في البحرين لم يفقد رأسه حتى، والنظام في اليمن لا يزال على حاله، ولكن مع استبدال صالح بهادي، بمساعدة وتدخل من يصفون أنفسهم على أنهم أصدقاء للولايات المتحدة.

أما في ليبيا، ذلك البلد العربي الغني بمقدراته، فالمشهد لم يكن كما في الثورات الأربع، بل ولم يختلف كثيراً عن المشهد في العراق إبان حرب الخليج الثانية، ولكن بطرق حديثة ومبتكرة، وأعتقد بأن هذا القدر يكفي للحديث عن ليبيا، فقد أضحت ليبيا محتلة ومقسمة من قبل "المحررين"، عقب احتلالها محلياً من قبل نظام غبي وفاسد.

أخيراً مع المشهد السوري، والوردة السورية، تلك وردة بلاد الشام بأكملها، فالدمع لا يكفكف يا دمشق، أعتقد بأن المشهد واضح تماماً هنالك، إذ أن دول العالم بأسرها تتقاتل لتقاسم "كعكة سوريا"، ومطامع القوى الامبريالية واضحة جداً، بالطبع ومجدداً بمساعدة القوى الرجعية العربية، ممثلة بدول الخليج، ولا تقف مطامع هؤلاء عند ذلك الحد، فهم يأملون بانقطاع الخط الواصل بين طهران وحركات المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق.

وإذا نظرت إلى المشهد بمنظار واسع دون تحيز، ستجد بأن تركيا لها مطامعها في سوريا، بل وتسعى لتوسيع نفوذها في المنطقة على حساب سوريا بقيادة العثمانيين الجدد، أما الامبريالية العالمية ممثلة بالكيان الصهيوني وأمريكا وأوروبا الغربية، فهي وبكل تأكيد تسعى لضمان أمن واستقرار الكيان الصهيوني، وذلك لا يكون إلا بانهيار سوريا واقتتال شعبها وانخراطه في حرب أهلية طائفية، على أن يكون تقسيم سوريا حلاً لتلك الحرب الطائفية، مما يفقدنا مجدداً دولة عربية كبيرة.

مطامع قوى الرجعية العربية معروفة، فهي لا ترتق إلى ذلك كله، بل هي مطامع طائفية بحتة، وأؤكد هنا على الحقائق على أرض الواقع تفرض علينا أن ننظر بمنظار شامل لما يحصل في سوريا، وأن لا نوافق على تحول سوريا إلى ليبيا جديدة أو عراق جديد.

في تونس، مصر، اليمن، والبحرين، هناك ثورات شعبية صادقة وطاهرة، علينا الاصطفاف معها، مؤازرتها ومحاولة استكمال مراحلها، أما في ليبيا وسوريا، فهناك مؤامرات، وثورات مضادة منذ البداية تقودها القوى الامبريالية وقوى الرجعية العربية والأحزاب الانتهازية، تلك الأحزاب التي لا أراها إلا كأذناب للقوى الامبريالية وقوى الرجعية العربية، بات واضحاً تماماً بأن قوى الثورة المضادة في تونس ومصر واليمن والبحرين، هي ذاتها قوى الثورة المضادة في ليبيا وسوريا.

هذه هي المشاهد العربية، وإذا ما نظرنا إلى المشاهد في شتى أنحاء العالم، سنجد بأن عمّال العالم وفلّاحيه أو البروليتاريين بشكل عام أضحوا قوة في وجه استبداد رأس المال، كما كانوا دوماً، وفي ظل ما تقدّم، وفي خضم هذه الأحداث التي تلف العالم، فإننا بحاجة إلى العودة إلى الفكرة وقدسيتها، فكرة حقوقنا كطبقات عاملة، وفكرة التحول الثوري للمجتمع بأكمله، ووقوده المتمثل بالطبقات العاملة.

علينا أن نطرح تلك الفكرة بقالب تقدمي، بعيداً عن الخطاب الليبرالي المقيت، علينا أن نستقرئ المشهد في العالم أجمع، والعودة إلى مفاهيم الديالكتيك، ومحاولة تطوير الفكرة، لا أن نحولها إلى قالب من النصوص المقدسة، آن للعامل في شتى أنحاء العالم أن يعلم "الشيوعيون ليسوا حزباً منفصلاً في مواجهة الأحزاب العمالية الأخرى، وليست لهم مصالح منفصلة عن مصالح عموم البروليتاريا"، ذلك ما قرأناه في البيان الشيوعي لكارل ماركس وفريدريك أنجلز، وذلك ما علينا فهمه بشكل معمق.

تلك القوة التي تقف في وجه استبداد رأس المال في شتى أنحاء العالم، بحاجة إلى الاتحاد، وبالأخص عقب وصولها إلى قلب المراكز الرأسمالية الجشعة، فقد وصلت إلى نيويورك وبرلين ولندن وباريس، وانتشرت في أطراف الرأسمالية، في ظل التحديات والعقبات التي تواجهها تلك المراكز والأطراف، والتي ستكون في نظري مكنونات انهيار النظام الرأسمالي الذي يعاني الأمرين في الوقت الحالي.

سأقتبس جزأين من البيان الشيوعي هنا، ولكن؛ قبيل ذلك، علينا فهم مصطلح البروليتاريا بقالب العام 2012، من هم البروليتاريون اليوم؟ لم يعد العامل هو فقط من يعمل في مصنع، بل أضحى المبرمج عاملاً، والمحاسب عاملاً، والمهندس عاملاً، والمحلل المالي عاملاً، نستطيع أن نطلق عليهم "بروليتاريا ذهنية"، نحن اليوم نكدح بأذهاننا، وهنا تظهر عبقرية أستاذي الدكتور هشام غصيب، صاحب براءة الاختراع لهذا المصطلح.

"إن تاريخ أي مجتمع حتى الآن، ليس سوى تاريخ صراعات طبقية، بين حر وعبد، نبيل وعامي، بارون وقن، معلم وصانع، وبكلمة ظالمون ومظلومون، في تعارض دائم، خاضوا حرباً متواصلة، تارة معلنة وطوراً مستترة، حرباً كانت تنتهي في كل مرة إما بتحول ثوري للمجتمع كله، إما بهلاك كلتا الطبقتين المتصارعتين".

لن أطيل في اقتباس أجزاء من البيان الشيوعي وصراع الطبقات وتقسيماتها، كما هو جوهر الفكر السياسي الذي أؤمن به، إلا أن الجزء الثاني الذي سأقتبسه من البيان الشيوعي يستوقفني دائماً: "الهدف الأول للشيوعيين هو الهدف نفسه لكل الأحزاب البروليتارية الأخرى: تشكّل البروليتاريا في طبقة، إسقاط هيمنة البرجوازية، واستيلاء البروليتاريا عن السّلطة السياسية".

أخيراً وليس آخراً، أؤكد مجدداً على أن العمّال هم أساس كل ثورة على كل ظالم، حيث الفكرة الرئيسية في هذا المقال، لذلك فهم أصحاب الحق في الحكم، وصدّقوني بأن حكم الطبقات العاملة هو أساس نهضة كل مجتمع، بل وأساس أي نظام "ديمقراطي" ننشده، يقوم على أسس الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية .. خذ مثالاً .. ثورة أكتوبر المجيدة.

عاش نضالنا، وعاش الأول من أيار، وكل عام ونحن بخير.

يا عمّال العالم اتحدوا .. ضد القمع واستبداد رأس المال انتفضوا.

أرجوكم .. أرجوكم ... إما أن تتحدوا .. أو أن تنتحروا!!!



أيـــــا عمّال العالم، اتحدوا - الصورة من تصميم: وليد إدريس