الاثنين، 30 أبريل، 2012

العمّال .. أساس كل ثورة على الظلم .. إذن؛ فهم أصحاب الحق في الحكم - بقلم طلال عبدالله


من المؤكد أننا نعيش في عصر يكتب فيه التاريخ بأحرف من ذهب، وبالأخص إذا ما تحدثنا عن منطقتنا العربية، فبعد سبات عميق، عاد العرب ليكتبوا تاريخهم بالدماء، وتذكروا مجدداً بأن العربي يعشق العيش الكريم، ولا يسكت على ظيم أبداً، عادوا ليتصدروا أحاديث البسطاء في أقاصي الأرض، وعادوا!!

حري بنا إذن أن ندرس ثوراتنا العربية بشكل معمق، وعلينا أن نعرف أسباب الانتصار ونقاط الضعف، إذ يقع على عاتقنا اليوم تحليل تلك الثورات ومعرفة سبل النهضة التي ننشدها، تلك الدراسة يجب أن لا تخلو من النقد، فالعاطفة وحدها لا تقود دوماً إلى الخيارات والقرارات الصحيحة، بل على العكس، قد تقودنا عاطفتنا إلى ما هو مدمّر (بكسر الميم).

انطلقت شرارة الثورة العربية العظيمة من تونس، و"في وضح النهار يتسلّق "صالح" برج ساعة 7 نوفمبر، رمز نظام بن علي في تونس، ليعلن القيامة"، كما يقول كمال الرياحي في روايته "الغوريلا"، هي ثورة كسرت حاجز الصمت والخوف، وأكدت مجدداً على أن الظلم والفساد لا يستمران إلى الأبد، وأن الليل مهما بدا حالكاً، فمصيره إلى زوال.

وفي اعتقادي فإن الجماهير الثورية في تونس بحاجة إلى استكمال مراحل الثورة، وبالأخص إذا ما نظرنا إلى الأوضاع في تونس عقب عام على قيام الثورة، الحقائق على أرض الواقع تشير إلى أن هنالك من يستغل الثورة، وتلك الحقائق ذاتها تشير إلى أن من وصل إلى الحكم في تونس لا ينوي فك تبعية تونس للغرب، إذن؛ فعلى الثورة استكمال مراحلها.

وعلى أهل تونس أن يعلموا بأن "الإضرابات العماليّة" هي أحد المسببات الرئيسية لسقوط رأس النظام ممثلاً ببن علي، إذ أن احتجاجات الجماهير دون إضرابات عمّالية قد تأخذ سنوات طويلة دون تحقيق أي نصر يذكر، وذلك نظراً لكون الإضرابات العمّالية تشلّ الحياة في مرافق أي دولة، مما يجعل الانتصار ممكنناً.

لا أريد أن أطيل هنا، ولا أن أدخل في تفاصيل المشهد التونسي، أو أي مشهد آخر في الثورة العربية، إلا أنني أحاول أن أهدي كل ثورة وردة من كلمات، قد تفيد البعض، وقد ينتقدني عليها البعض، وقد تفتح عليّ أبواب جهنم بسبب بعض ما أقول، ولكنني على ثقة بأنني كلما تعرضت لهجوم "خالٍ من المضمون" -كذلك الذي يجيده ويتقنه البراغماتيون أصحاب الرايات الخضراء-، فهذا يعني أنني أسير في الطريق الصحيح، وبالتأكيد فأنا لا أتحدث هنا عن النقد البنّاء، فذلك مطلوب، بل ومرحب به.

على أية حال، أنتقل الآن إلى الوردة المصرية، الأجمل والأبهى والأكمل والأروع، تلك الثورة التي أهديتها مقالاً بعنوان "تحية لمصر .. أم الدنيا"، ومقالاً آخر يصف مشاعري عند زيارتها عقب الثورة بعنوان "زيارة لمصر .. ما بعد الثورة"، هي ثورة على البغي والظلم والفساد، طاهرة كالثورة التونسية، أسقطت رأس نظام أذاق مصر عذابات وويلات التبعية، ومضى الوقت، لتؤكد لنا الأيام على أن ميدان التحرير هو مكان منح الشرعية في مصر، وبأن الثورة لا تزال مستمرة!!

ولكن الحال لم يختلف كثيراً في مصر عمّا هو في تونس، فبنية النظام الأساسية لا تزال قائمة في مصر، ولا تزال التبعية عنواناً للمشهد المصري "على مستوى القيادة"، أقول على مستوى القيادة لأن الشعب لم يكن يوماً تابعاً للهيمنة الامبريالية الصهيو-أمريكية، في الوقت الذي كشّرت فيه "الثورة المضادّة" عن أنيابها في مصر، وسفكت دماء الشباب الثائر، حتى وصل الأمر بها إلى إلقاء جثث الشهداء في حاويات النفايات، والاعتداء بشكل سافر على حرائر مصر وسحلهنّ في الشوارع بعد تعريتهنّ من ملابسهنّ.

ونظراً لأهمية الدور السياسي والاقتصادي الذي تلعبه مصر على الساحة، فكان لا بد من وصول "الانتهازيين" إلى السلطة، وذلك لضمان استقرار وأمن الكيان الصهيوني، وبالفعل فإن هذا ما حدث، تخلّى الطامعون في المناصب عن ركب الثورة، ولحقوا بالأسياد ليكونوا بذلك "أسياداً"، كما يصنّفون أنفسهم، وليبقى "العبيد" في الميادين!!

تلك أمانيّهم، فشعب يعود تاريخه إلى سبعة آلاف عام لن يرتضي بقاعدة "الأسياد والعبيد"، لذلك فقد أصّر الشعب المصري على إكمال ثورته على الظلم والقهر والفساد والتبعية، وهتف مطالباً بإسقاط من ظنّهم حموا الثورة، وأثبت بالفعل على أنه مانح الشرعية في مصر، لذلك فإن الأمل الوحيد للأمة العربية بأسرها في الوقت الحالي هو إكمال مراحل الثورة المصرية حتى النصر، كما يقول الأستاذ الدكتور هشام غصيب.

وفي مصر أيضاً، كانت "الإضرابات العماليّة" أحد المسببات الرئيسية لسقوط رأس النظام ممثلاً بمبارك، مما يؤكد مجدداً على أن العمّال والطبقات الكادحة هي عماد المجتمعات، بل والركيزة الأساسية في كافة المجتمعات، وعيها "قوة ضارية"، وعجزها "نكسة جارية".

إلى البحرين واليمن، تلك الثورات المنسيّة، والتي لن يغفر لنا التاريخ تقاعسنا اتجاهها، فهي وعلى الرغم من "الزخم الجماهيري" الذي نجحت في تكوينه، إلا أنها تفتقر حتى وقتنا الحاضر إلى "انضمام الكادحين لها"، كما وتفتقر إلى "الإضرابات العمّالية" التي تحدثنا عنها آنفاً، لذلك فإن تلك الأنظمة لا تزال على حالها، فالنظام في البحرين لم يفقد رأسه حتى، والنظام في اليمن لا يزال على حاله، ولكن مع استبدال صالح بهادي، بمساعدة وتدخل من يصفون أنفسهم على أنهم أصدقاء للولايات المتحدة.

أما في ليبيا، ذلك البلد العربي الغني بمقدراته، فالمشهد لم يكن كما في الثورات الأربع، بل ولم يختلف كثيراً عن المشهد في العراق إبان حرب الخليج الثانية، ولكن بطرق حديثة ومبتكرة، وأعتقد بأن هذا القدر يكفي للحديث عن ليبيا، فقد أضحت ليبيا محتلة ومقسمة من قبل "المحررين"، عقب احتلالها محلياً من قبل نظام غبي وفاسد.

أخيراً مع المشهد السوري، والوردة السورية، تلك وردة بلاد الشام بأكملها، فالدمع لا يكفكف يا دمشق، أعتقد بأن المشهد واضح تماماً هنالك، إذ أن دول العالم بأسرها تتقاتل لتقاسم "كعكة سوريا"، ومطامع القوى الامبريالية واضحة جداً، بالطبع ومجدداً بمساعدة القوى الرجعية العربية، ممثلة بدول الخليج، ولا تقف مطامع هؤلاء عند ذلك الحد، فهم يأملون بانقطاع الخط الواصل بين طهران وحركات المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق.

وإذا نظرت إلى المشهد بمنظار واسع دون تحيز، ستجد بأن تركيا لها مطامعها في سوريا، بل وتسعى لتوسيع نفوذها في المنطقة على حساب سوريا بقيادة العثمانيين الجدد، أما الامبريالية العالمية ممثلة بالكيان الصهيوني وأمريكا وأوروبا الغربية، فهي وبكل تأكيد تسعى لضمان أمن واستقرار الكيان الصهيوني، وذلك لا يكون إلا بانهيار سوريا واقتتال شعبها وانخراطه في حرب أهلية طائفية، على أن يكون تقسيم سوريا حلاً لتلك الحرب الطائفية، مما يفقدنا مجدداً دولة عربية كبيرة.

مطامع قوى الرجعية العربية معروفة، فهي لا ترتق إلى ذلك كله، بل هي مطامع طائفية بحتة، وأؤكد هنا على الحقائق على أرض الواقع تفرض علينا أن ننظر بمنظار شامل لما يحصل في سوريا، وأن لا نوافق على تحول سوريا إلى ليبيا جديدة أو عراق جديد.

في تونس، مصر، اليمن، والبحرين، هناك ثورات شعبية صادقة وطاهرة، علينا الاصطفاف معها، مؤازرتها ومحاولة استكمال مراحلها، أما في ليبيا وسوريا، فهناك مؤامرات، وثورات مضادة منذ البداية تقودها القوى الامبريالية وقوى الرجعية العربية والأحزاب الانتهازية، تلك الأحزاب التي لا أراها إلا كأذناب للقوى الامبريالية وقوى الرجعية العربية، بات واضحاً تماماً بأن قوى الثورة المضادة في تونس ومصر واليمن والبحرين، هي ذاتها قوى الثورة المضادة في ليبيا وسوريا.

هذه هي المشاهد العربية، وإذا ما نظرنا إلى المشاهد في شتى أنحاء العالم، سنجد بأن عمّال العالم وفلّاحيه أو البروليتاريين بشكل عام أضحوا قوة في وجه استبداد رأس المال، كما كانوا دوماً، وفي ظل ما تقدّم، وفي خضم هذه الأحداث التي تلف العالم، فإننا بحاجة إلى العودة إلى الفكرة وقدسيتها، فكرة حقوقنا كطبقات عاملة، وفكرة التحول الثوري للمجتمع بأكمله، ووقوده المتمثل بالطبقات العاملة.

علينا أن نطرح تلك الفكرة بقالب تقدمي، بعيداً عن الخطاب الليبرالي المقيت، علينا أن نستقرئ المشهد في العالم أجمع، والعودة إلى مفاهيم الديالكتيك، ومحاولة تطوير الفكرة، لا أن نحولها إلى قالب من النصوص المقدسة، آن للعامل في شتى أنحاء العالم أن يعلم "الشيوعيون ليسوا حزباً منفصلاً في مواجهة الأحزاب العمالية الأخرى، وليست لهم مصالح منفصلة عن مصالح عموم البروليتاريا"، ذلك ما قرأناه في البيان الشيوعي لكارل ماركس وفريدريك أنجلز، وذلك ما علينا فهمه بشكل معمق.

تلك القوة التي تقف في وجه استبداد رأس المال في شتى أنحاء العالم، بحاجة إلى الاتحاد، وبالأخص عقب وصولها إلى قلب المراكز الرأسمالية الجشعة، فقد وصلت إلى نيويورك وبرلين ولندن وباريس، وانتشرت في أطراف الرأسمالية، في ظل التحديات والعقبات التي تواجهها تلك المراكز والأطراف، والتي ستكون في نظري مكنونات انهيار النظام الرأسمالي الذي يعاني الأمرين في الوقت الحالي.

سأقتبس جزأين من البيان الشيوعي هنا، ولكن؛ قبيل ذلك، علينا فهم مصطلح البروليتاريا بقالب العام 2012، من هم البروليتاريون اليوم؟ لم يعد العامل هو فقط من يعمل في مصنع، بل أضحى المبرمج عاملاً، والمحاسب عاملاً، والمهندس عاملاً، والمحلل المالي عاملاً، نستطيع أن نطلق عليهم "بروليتاريا ذهنية"، نحن اليوم نكدح بأذهاننا، وهنا تظهر عبقرية أستاذي الدكتور هشام غصيب، صاحب براءة الاختراع لهذا المصطلح.

"إن تاريخ أي مجتمع حتى الآن، ليس سوى تاريخ صراعات طبقية، بين حر وعبد، نبيل وعامي، بارون وقن، معلم وصانع، وبكلمة ظالمون ومظلومون، في تعارض دائم، خاضوا حرباً متواصلة، تارة معلنة وطوراً مستترة، حرباً كانت تنتهي في كل مرة إما بتحول ثوري للمجتمع كله، إما بهلاك كلتا الطبقتين المتصارعتين".

لن أطيل في اقتباس أجزاء من البيان الشيوعي وصراع الطبقات وتقسيماتها، كما هو جوهر الفكر السياسي الذي أؤمن به، إلا أن الجزء الثاني الذي سأقتبسه من البيان الشيوعي يستوقفني دائماً: "الهدف الأول للشيوعيين هو الهدف نفسه لكل الأحزاب البروليتارية الأخرى: تشكّل البروليتاريا في طبقة، إسقاط هيمنة البرجوازية، واستيلاء البروليتاريا عن السّلطة السياسية".

أخيراً وليس آخراً، أؤكد مجدداً على أن العمّال هم أساس كل ثورة على كل ظالم، حيث الفكرة الرئيسية في هذا المقال، لذلك فهم أصحاب الحق في الحكم، وصدّقوني بأن حكم الطبقات العاملة هو أساس نهضة كل مجتمع، بل وأساس أي نظام "ديمقراطي" ننشده، يقوم على أسس الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية .. خذ مثالاً .. ثورة أكتوبر المجيدة.

عاش نضالنا، وعاش الأول من أيار، وكل عام ونحن بخير.

يا عمّال العالم اتحدوا .. ضد القمع واستبداد رأس المال انتفضوا.

أرجوكم .. أرجوكم ... إما أن تتحدوا .. أو أن تنتحروا!!!



أيـــــا عمّال العالم، اتحدوا - الصورة من تصميم: وليد إدريس

الاثنين، 16 أبريل، 2012

زيارة لمصــر .. ما بعد الثورة – بقلم طلال عبدالله


كيف غدت؟ هل تغيرت؟ هل اختلفت ألوانها؟؟ ترى كيف باتت شوارعها؟ أسئلة كثيرة حامت في رأسي، وأنا في طريقي إلى مطار الملكة علياء الدولي، حتى بأن صديقي الذي أوصلني إلى المطار لاحظ ذلك، وتركني لتلك الأسئلة في رأسي، وكأنه يعلم أنني أرقب بشغف رؤية مصر بعد الثورة، ليرفع قليلاً من صوت الأغاني التي كنّا نسمعها في السيارة، الأمر الذي عمق من تساؤلاتي على أنغام أغاني الشيخ إمام وفيروز  وجوليا بطرس وماجدة الرومي ومحمد منير.

وصلت إلى المطار أخيراً، وأحسست بأن اللقاء يقترب أكثر وأكثر، ودعت صديقي، والذي حمّلني سلاماً كبيراً لمصر وثورتها، في الوقت الذي كانت فيه الأسئلة تكثر في رأسي، تلف وتدور، وتثقل رأسي أكثر وأكثر، أنهيت الإجراءات كلها، وطلبت من موظفة التدقيق في المطار أن تعطيني مقعداً في الطائرة بجانب النافذة.

حان الموعد، أقلعت الطائرة، وانشغلت أنا بقراءة رواية شرفة العار لابراهيم نصرالله، والتي أهدتني إياها صديقة عزيزة، دخلت في جمالية الرواية، وشرعت في تحليل نفسيات شخوص الرواية، من أبو الأمين، ذلك الرجل العصامي الذي يحب ابنته منار أكثر من أي شيء في الدنيا، إلى أم الأمين، ومنار، وذلك الشخص الذي أعجبت فيه منار أثناء رحلتها الجامعية، وأمين ونبيلة، وفي ذات الوقت كنت أنظر من نافذة الطائرة كلما أحسست بقرب اللقاء.

وعلى الرغم من انشغالي بأحداث الرواية، إلا أنني تنبهت فجأة إلى أن رأسي يكاد ينفجر، كنت متوتراً إلى حد جعل يدي ترتجف وأنا أحاول تناول القهوة على متن الطائرة، ليقطع قائد الطائرة حبل أفكاري التي لم تكن تحمل سوى مصر، قائلاً: "بدأنا الآن بالهبوط تدريجياً نحو مطار القاهرة الدولي"، وعلى الفور وضعت الرواية جانباً، وبدأت بالنظر عبر النافذة إلى القاهرة من ارتفاع 35 ألف قدم.

ومع الهبوط التدريجي، كانت نافذة الطائرة تهمس لي بصمت، وترسم لي صور الثورة المصرية، يوماً بيوم، وبالأخص في أجمل 18 يوماً، وعلى نافذة الطائرة ارتسمت لي صور شهداء الثورة المصرية، ابتسمت لي سالي زهران وكأنها تقول لي: "لا تقلق، مصر بخير"، وحملت لي عيون محمد عماد حسين بريق أمل، أما ابتسامة أحمد إيهاب، فغدت تبرق بإجابات لتساؤلاتي، في حين لم تكن ملامح سيف الله مصطفى المصرية الأصيلة إلا كرسالة تطمئنني على المحروسة!!

زالت صور الشهداء عن النافذة وبدت وكأنها سراباً، يتلاشى رويداً رويداً، فقد بدأت القاهرة بالظهور، منازلها المتراصة ترفع أيديها للسلام، وفي حركة لا إرادية، مددت بيدي لأسلم عليها، فاصطدمت يدي بنافذة الطائرة، وتنبهت إلى أن تلك المباني ترفع يافطة كبيرة عليها كلمات للشاعر عبدالرحمن الأبندوي: "ما تخافش على مصر يابا .. مصر محروسة .. حتى من الطغمة دي اللي فينا مدسوسة".

ومع اقتراب عجلات الطائرة أكثر من ملامسة أرض القاهرة، ظهر علم لمصر على مقربة من أحد مباني المطار، لألمح أول تغيير في القاهرة، فقد تغيرت ألوان العلم، باتت أكثر وضوحاً، والنسر الذي يتوسطها بات أكثر شموخاً، وكأن العلم يرسل إليّ برسائل متباينة مع كل خفقة يقوم بها على أنغام النسيم المصري العليل.

لامست عجلات الطائرة أرض القاهرة أخيراً، بينما كنت أراقب العلم بصمت، وأحسست بقشعريرة عجيبة، لا أدري ما سببها، وتسارعت ضربات قلبي وكأنها طبلاً هندياً، وفي هدوء توقفت الطائرة، وفتحت أبوابها، التقطت حقيبتي التي أضعها على ظهري، وتوجهت نحو باب الطائرة، ولأن رأسي كان مليئاً بالأسئلة، لم أنتبه إلى المضيفة التي وقفت على باب الطائرة لتوديع الركاب بابتسامة رقيقة، وما إن وقفت على أعلى سلم الطائرة، حتى أخذت نفساً عميقاً، نفساً مسح كل الأسئلة من رأسي، رائحة عجيبة، زكية وطاهرة ورقيقة، قد تكون جديدة عليّ، ولكنها ليست بالجديدة على مصر!!

أنهيت الإجراءات الرسمية، وخرجت من المطار على عجل، لأجد صديقي ينتظرني في قاعة الاستقبال، وعقب السلام، خرجنا من المطار، وعيوني تنتقل يميناً ويساراً، وكأنني أرى القاهرة لأول مرة في حياتي، وما إن خرجنا من أسوار المطار، حتى بدأ صديقي بمداعبة من في الشارع، ويرد عليه من في الشارع بابتسامة أو بمداعبة مماثلة، بخفة ظل منقطعة النظير كما هو الحال دوماً.

دخلنا في ازدحام شوارع القاهرة، ذلك الازدحام الذي يشعرني دوماً وأنا في القاهرة بأنني في مدينة تعج وتنبض بالحياة، وفي خضم ذلك، سألت صديقي أن نذهب إلى ميدان التحرير، فابتسم بصمت معلناً موافقته، وبدأنا بتجاذب أطراف الحديث عن الثورة، وأحوال مصر بعد الثورة.

رحلة إلى ميدان عشق الحرية ...

وعند صعودنا على جسر السادس من أكتوبر، بدأت رائحة عجيبة بالتسلل إلى أنفي عبر نافذة السيارة، كانت تلك الرائحة مزيجاً من رائحة الدم المخلوط بالعزة والكرامة والعنفوان، وبدأت أنظر من النافذة في ترقب واضح للميدان، وتلك الرائحة تزداد كلما اقتربنا، وما هي إلا لحظات، حتى وصلنا إلى مشارف ميدان التحرير.

هنا توقفت الأرض عن الدوران، والرائحة الزكية التي تحمل عطر الثورة ملأت ثناياي، وبدا الميدان وكأنه خالٍ تماماً، إلا مني ومن ذكرياتي، على الرغم من ازدحامه، أوقف صديقي المركبة، وترجلت منها، أحسست بأقدامي تلامس مكاناً طاهراً وكريماً، يستوجب خلع الحذاء، وبدأت عيوني تدور وتدور وتدور، بحركات لا إرادية، هنا كانوا، وهنا نزفوا، هنا حوصروا، وهنا انتصروا.



تلفت حولي لأتذكر كل لحظة من لحظات الثورة المصرية المجيدة، هذا مجمع التحرير، وهنا المتحف المصري، تلك التفرعات التي كانت تمتلئ عن آخرها بالبشر، هذا شارع طلعت حرب المؤدي إلى ميدان طلعت حرب، ومن هنا شارع القصر العيني، ذلك شارع قصر النيل، وهذا ميدان عبدالمنعم رياض.

تركني صديقي وقد رآني على تلك الحالة، تركني هائماً على وجهي، أستكشف كل شبر في الميدان، وأتنشق أريج الثورة المصرية، هنا أقاموا مستشفياتهم الميدانية، وهنا استشهدوا، وفي حركة لا إرادية بدأت بترديد نشيدهم الوطني، الذي تعالى بصوت واحد هنا، من ملايين الحناجر: "بلادي بلادي بلادي .. لك حبي وفؤادي".

غادرت الميدان عقب ذلك، في صمت مقدس، رأيت ابتسامات البسطاء تملأ المكان، وكتابات تملأ جنبات المكان، أناس شكلت الثورة لهم "لقمة عيش" إلى جانب كونها ثورة، أعلام لمصر في كل مكان، صور لجيفارا وعبدالناصر على الجدران تملأ المكان، خيام أقيمت في وسط الميدان، ولوحات تحمل مطالب لم تتحقق بعد.

ابتسامة تحمل الأمل .. وشباب يحملون مصر على أكتافهم ...

توالت الأيام والتقيت بأصدقائي في القاهرة، تجاذبت أطراف الحديث مع الجميع، رأيتهم يروون أحداث الثورة بفخر واعتزاز، كل يروي بطولاته في أيام الثورة بطعم مختلف عن الآخر، ولكن النكهة العامة بقيت مصرية، يسردون الحكايات والروايات، ويجتهدون في توقع المستقبل، يحرصون حتى الجنون على حماية ثورتهم، ويهددون بالعودة إلى الشارع في حال الالتفاف على ثورتهم.

يحملون ذكريات أليمة عن جمعة الغضب بشكل خاص، وعن بقية أيام الثورة بشكل عام، وفي ذات الوقت يحملون ذكريات سعيدة وجميلة عن الحادي عشر من فبراير، اليوم الذي تنحى فيه المخلوع، يسخرون من الواقع بخفة ظل منقطعة النظير، واقع تحالف الإخوان والعسكر، والتفاف الكثير من الأحزاب والحركات السياسية على ثورتهم، أذكر جيداً كيف ضحكت من قلبي حين قال لي أحد الأصدقاء من المشاركين في الثورة بسخرية وخفة ظل مجيباً على أحد تساؤلاتي: "سأصوت لعمر سليمان".

حتى من صوّت للإخوان المسلمين، بات على علم تام بأن الإخوان لا يصلحوا لإدارة شؤون مصر الداخلية، تماماً كما هي القناعة لدى الجميع بأن المجلس العسكري لا يصلح لقيادة مصر الخارجية، أما في ما يتعلق بالحكومات الثلاث التي تشكلت عقب الثورة، فلم أرى من لم يؤكد لي على أن تلك الحكومات كانت شكلية فقط، تتلقى الأوامر من المجلس العسكري.

لقد نجحت الثورة المصرية في زرع الروح الثورية لدى الشارع المصري، الجميع بات يتحدث في السياسة، يحللون ويستنتجون، وفي أحد تلك الأيام التي زرت فيها مصر، كان اثنين من أصدقائي يتحدثون عن تحالف الإخوان والعسكر، ويؤكدون على أن ذلك التحالف بات يحمل اختلافاً معيناً بين تلك الجهات، الأمر الذي اتضح في قائمة المرشحين للانتخابات الرئاسية، كنت أسمتع لحديثهم بشغف واضح، ونحن نجلس على أحد الشرفات، وفجأة نظرت إلى الشارع لأرى طفلاً يتعلق بسيارة من طراز "همر" من الخلف، يتعلق بها تارة، ويتركها عائداً إلى الشارع تارة أخرى، وحين نظر إلى الشرفة ورآني أتابعه، ابتسم.

لا يمكن للكلمات أياً كانت قوية أن تستطيع وصف ابتسامة ذلك الطفل، فقد حملت الكثير من المعاني، حملت براءة وطهراً، حملت نكهة الثورة، وأملاً عجيباً، يؤكد على أن الثورة في مصر مستمرة.

لا يريد مالاً بغير عمل ...

وفي أحد أيام تواجدي في القاهرة، خرجت برفقة أصدقائي في المساء إلى النيل، ركبنا مركباً شراعياً صغيراً، يطلق عليه المصريون "الفلوكة"، وحين بدأ المركب في الإبحار، بدأ النيل بالنظر إليّ وتجاذب أطراف الحديث معي، وبدا كأنه يقول لي: "لا تقلق، ستنتصر ثورة شعبي حتماً"، ومرت الدقائق على عجل، لأكتشف ونحن في نهاية المطاف بأن رأسي كان يخلو تماماً من همومي وأسئلتي، حتى الشخصية منها، وتمنيت في تلك اللحظة أن أبقى في رحاب النيل أبد الدهر.

أحاديثي مع أصدقائي حملت ونحن في النيل بريقاً رائعاً، بعيداً عن الثورة، فقد تحدثنا في أشياء كثيرة، في الفن والأدب، والمركب يواصل طريقه، يشق النيل بصمت، بينما تترامى أضواء القاهرة على صفحة النيل كرقعة فنية رائعة، ليس لها مثيل في العالم أجمع.

أنهينا زيارتنا إلى النيل، وتوجهنا إلى أحد المطاعم لتناول طعام العشاء، وفي ما نحن ننتظر في السيارة وصول وجبات الأكل التي كنّا قد طلبناها، وإذ برجل يعتلي الشيب رأسه يتوجه نحونا، أعتقد بأنه في منتصف الخمسينيات من العمر، يحمل في يده فرشاة كبيرة، وعلبة من الماء، وكيساً أسوداً، وما إن وصل إلى جانب السيارة، حتى قام أحد الأصدقاء بإعطائه بعض النقود، وهنا كانت المفاجأة!!

نظر إلى النقود ووضعها في جيبه، واتجه مباشرة إلى الزجاج الأمامي للسيارة، فقال له صديقي: "شكراً"، وأشار له بيده بلطف ألا يقوم بتنظيف الزجاج، فعاد الرجل إلى نافذة صديقي وقال له باللهجة العامية المصرية: "طب أعمل أي حاجة"، توقفت في تلك اللحظة عقارب الساعة، وارتسمت على وجهي علامات الذهول، وتحشرجت الكلمات في صدري، فلم تقوى على الخروج!!

أصر وألح في طلبه، فقال له صديقي: "ما دمت مصراً فلتعمل ما يحلو لك"، وبدأ الرجل ينظف زجاج السيارة بضمير لا يوجد لدى الكثير من أصحاب المكاتب في الشركات، راقبته دون أن ينتبه، وإذا بتجاعيد وجهه تقول: "أنا لا أريد نقوداً بغير عمل"، وحين انتهى من تنظيف الزجاج الأمامي بدأ بتنظيف نوافذ السيارة الأربع، والزجاج الخلفي.

وما إن انتهى من عمله حتى غادر بصمت، وأخذ معه الكثير من عجبي وحزني وفخري واعتزازي، أخذ معه خليطاً من المشاعر في داخلي، خليطاً كان السبب في بقائي صامتاً حتى نهاية الطريق.

وفي تلك الليلة التقيت بأحد الأصدقاء في أمسية مصرية مميزة لم تخلو من فنجان القهوة، سرد لي الكثير من وقائع الثورة، واستمعنا سوية إلى بعض أغاني محمد منير، وبعض أشعار محمود درويش، ذلك الشاب، أعطاني أملاً عجيباً بأن مصر في طريقها لتعود وتتربع على عرش الأمة العربية.

زيارة إلى ضريح عبدالناصر ...

منذ وصولي إلى القاهرة وأنا أنوي زيارة ضريح الزعيم الخالد جمال عبدالناصر، إلا أن ذلك لم يكن ممكنناً بسبب ازدحام وقتي في العمل، وفي آخر أيام تواجدي في القاهرة، وقبل التوجه إلى المطار، طلبت إلى أحد الأصدقاء أن يأخذني إلى ضريح الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، الموجود في منطقة منشية البكري، فلبى الدعوة على الفور.

ما إن وصلنا ورأيت المسجد الذي أقيم فوق الضريح حتى بدأت ضربات قلبي بالتسارع، وكأن للمكان هيبة استلهمت من هيبة عبدالناصر، ترجلنا من السيارة وبدأت الخطوات تأخذني لوحدها وكأنها تعرف طريق الضريح، وحين دخلت إلى مكان الضريح بدأت كلمات "عمنا" أحمد فؤاد نجم وقصيدته "زيارة إلى ضريح عبدالناصر" في الظهور أمامي.

السكّه مفروشه تيجان الفل والنرجس
والقبه صهوه فرس عليها الخضر بيبرجس
والمشربيه عرايس بتبكي
والبكا مشروع
مين دا اللي نايم وساكت
والسكات مسموع
سيدنا الحسين
والا صلاح الدين
والا الإمام
دستور ياحراس المقام
ولا الكلام بالشكل ده ممنوع

توقفت كلمات نجم عن الظهور، وتوقفت أنا بصمت وخشوع أمام الضريح، مستذكراً منجزات الزعيم الراحل، الخالد في قلوبنا، ولوهلة أحسست وكأن الزعيم الخالد يخبرني عن فخره بما أنجزه أولاده في ميدان التحرير، وعن مدى سعادته بالروح التي زرعها فيهم منذ العام 1952.



وداعاً يا قاهرتي .. وإلى لقاء قريب ...

امتلأ رأسي مجدداً بالتحليلات والاستنتاجات وأنا في طريقي إلى مطار القاهرة الدولي للعودة إلى العاصمة عمّان، تلك التحليلات التي ما كنت لأصل إليها لولا زيارتي للقاهرة.

أولاً، أصبحت على ثقة ويقين، بأن الشعب المصري العظيم سيستكمل مراحل الثورة، ولكنه يرقب الأمور بشكل يستوجب الاحترام، وفي اعتقادي فإن الجولة الثانية من الثورة تنتظر شرارة صغيرة، الكل على استعداد للعودة إلى الشارع.

ثانياً، حتى من أعطى صوته للإخوان، بات على علم بأنهم لا يستحقون صوته، وبأن مصر بحاجة إلى قيادة ثورية، بكل ما تحمل الكلمة من معنى، قيادة قادرة على المضي بمصر قدماً في هذه الظروف، والعودة بها إلى موقعها الطبيعي، على رأس الأمة العربية.

ثالثاً، أعتقد بأن عبدالمنعم أبو الفتوح (الإخواني سابقاً وحالياً) هو الأوفر حظاً للفوز بالانتخابات الرئاسية المقبلة، إلا أن ذلك سيكون شرارة بحسب تقديري بالتزامن مع استئثار العسكر بالحكم والمحاكمة الهزلية لمبارك ورموز النظام السابق، شرارة تجدد الثورة المصرية، حيث يبدو الشعب المصري وكأنه غير مقتنع بأي من مرشحي الرئاسة، ذلك المزاج العام في مصر.

رابعاً، عقب زيارتي لمصر، بات لا يهمني كم ستستغرق الثورة في مصر لتحقيق كافة مطالبها، لأنني بت على ثقة بأنها ستنجز ما قامت من أجله، وسنرى مصر قريباً كما كنا نراها في زمن الزعيم الخالد جمال عبدالناصر، دولة قوية غير تابعة لأحد، لها استقلال في القرار السياسي، ولها منهج ممانع ومقاوم، على رأس أولوياتها قضيتنا المركزية.

خامساً، الوعي في مصر من أجمل منجزات الثورة والأيام التي تلت سقوط مبارك، واهتمام العامة والبسطاء بالسياسة سيتوج بالنجاح إذا ما خالطه قليل من الوعي، وذلك في اعتقادي سيكون قريباً، وقريباً جداً، فالجميع اكتشف حقيقة الإخوان، وحقيقة العسكر، بل وبات الجميع على ثقة بأن تلك الأقطاب استغلت بعد الشعب عن أي ممارسات سياسية في عهد مبارك ليقنعوه بالتصويت على التعديلات الدستورية بنعم.

وصلنا إلى المطار وأنا غارق في استنتاجاتي وتحليلاتي، والتي سأوجزها في مقال منفصل، لأرى القاهرة حزينة على فراقي كما أنا حزين على فراقها.

ودعت صديقي، واتجهت لإتمام الإجراءات الرسمية، وما إن انتهيت منها حتى جلست على البوابة التي سنخرج منها لنستقل حافلة توصلنا إلى الطائرة، وعبر تلك البوابة الزجاجية، تابعت الطائرات التي تقلع وتهبط في مطار القاهرة، وخلية العمل البشرية على أرض المطار.

غادرت تلك البوابة، وصعدت إلى الحافلة لأشتم رائحة الثورة لآخر مرة قبل مغادرتي، لم أكن أعلم بأن للثورة رائحة، نظرت من نافذة الحافلة إلى البنايات المتاخمة لمطار القاهرة، وتسللت دمعة إلى عيني، وعجبت حين ردت عليّ تلك المباني بدمعة مشابهة، وكأنها تودعني كما أودعها، وتحبني كما أحبها.

صعدت إلى سلم الطائرة، وحين وصلت الباب، التففت واستنشقت عبير الثورة المصرية لآخر مرة، دخلت وجلست في مقعدي إلى جانب النافذة أيضاً، أقلعت الطائرة، والشمس تغرب رويداً رويداً، وما إن وصلت الطائرة إلى ارتفاع 30 الف قدم، حتى بدأت المباني بالتلاشي، لأعود إلى "شرفة العار" وحكاية منار وأبو الأمين، وفي رأسي تلتف الدنيا بما شهدته في أم الدنيا عقب الثورة.