الجمعة، 23 مارس، 2012

عمّـــان .. فقدتِ البريق – بقلم طلال عبدالله

هي مدينة قلّ أن تجد لها نظير في العالم، جميلة بهية، لي في كل شارع من شوارعها حكاية ورواية، هي في نظري أجمل من اسطنبول، وأبهى من لوس أنجلوس، أتوجه أحياناً بأسئلة إلى نفسي، فتهمس لي عمّان بالإجابة، وتطالبني أن أبقي الأمر سراً بيننا.

ذلك لأنها تحبني، تماماً كما أحبها، فهي تعرف كل شيء عني، وأنا أذوب دوماً في عشقي وهيامي لها، فهي فرحي بالمطر حين كنت طفلاً صغيراً، وهي ترقبي للثلج لأتغيب عن المدرسة، هي ذهابي في العطلة إلى جبل عمّان مع والدتي، وهي همومي وأنا أبحث سلسلة روايات "رجل المستحيل" في شوارع وسط البلد.


أذكر تماماً كيف كانت عمّاني في تسعينيات القرن الماضي، أذكر رائحتها الزكية وأنا في طريقي إلى المدرسة، أحفظ طعم الزعتر البلدي الذي كنت أدمن عليه وأتناوله بين حصصي المدرسية السبع، أشتاق لطعم العصير ذو الخمسة قروش، وأفتقد شمسها وأنا عائد إلى البيت من المدرسة.

لم تكن هموم الحياة قد أخذتني بعد، ولكنني كنت أرى عمّان بمنظار مختلف، وأعتقد بأن الجميع كانوا كذلك، حتى الكبار، فقد كانت بهية جميلة، حياتها بسيطة، كبساطة جمالها الساحر، فيها مساحات خالية تكتسي بلون أخضر بهي في الربيع، ولها شوارع لا تكتظ بالسيارات والحافلات حتى باتت أكثر من البشر كما في أيامنا هذه.

اللون الأخضر ذلك كان يدفعنا للبحث عن دودة ملوّنة، كنّا نسميها "دودة الربيع"، أما الدعسوقة والتي كنّا نطلق عليها اسم "أبو علي" فكانت هي تبحث عنّا، وتعلم جيداً أين ومتى تجدنا، في حين كانت الفراشات تأنف مصاحبتنا، بل وكانت تغير اتجاه مسيرها حين ترانا، كانت تمتلك كبرياء عمّان، الذي لم يعد كبرياءً في أيامنا هذه.

حتى ألعابنا العمّانية كانت بسيطة وجميلة، كنّا نلعب كرة القدم في الشوارع، وعيوننا ترقب بحذر شديد الحديقة التي يملكها "الجار الشرس"، الذي يهددنا دوماً بأخذ الكرة منّا إذا ما قمنا بإزعاجه في فترة قيلولته، بل ويهددنا أحياناً بتقطيع كرتنا إرباً إذا ما وصلت إلى حديقته، علماً بأننا كنّا نجمع ديناراً ونصف لشرائها.

ولكن "الجار الشرس"، كان يتلقى ضربات موجعة منّا، فقد كانت حديقته التي تحتوي على أشجار التفاح والمشمش والدراق والأسكدنيا والتوت عرضة للسطو من قبلنا، وأنا على ثقة بأنه كان على علم بزياراتنا تلك، ولكنه كان يفضل مراقبة كيفية تناولنا لتلك الفاكهة اللذيذة -دون غسلها حتى- من خلف زجاج بيته بصمت، كانت شهية وجميلة، صدقوني، كانت تحمل نكهة عمّان في داخلها.

وكنّا نرقب بشغف مجيء الصيف، لا لأكل البطيخ الأحمر اللذيذ فحسب، ولكن لبدء عطلة نهاية العام الدراسي، والتي كانت بمثابة جنة لنا، فترانا يوماً نذهب إلى مسبح متواضع في عمّان، لقضاء يوم سباحة جميل، ونعود إلى بيوتنا وقد أتعبتنا تلك الرياضة، لننام على الأريكة ونحن نشاهد قناة "عمّان"، ونستيقظ في الصباح على وقع أصوات أمهاتنا وهي تقول: "قوم بكفّي نوم".

أصوات أمهاتنا في تلك الفترة الزمنية كانت تترافق دوماً مع أغاني صباحية أردنية تحكي قصة عمّان، ما زلت أذكر كم هي جميلة حتى يومنا هذا، "وطني الشمس بتفخر إنها تكتب اسمها فوق ترابك، وطني المجد تمنى يبقى آخر كلمة بقلب كتابك"، أو أغنية أخرى سورية –حيث لم نكن حينها نؤمن بالحدود- "صباح الخير يا وطناً يسير بمجده العالي إلى الأعلى، ويا أرضاً عشقنا رملها والسفح والشطآن والسهلا".

أذكر جيداً كيف كنت أستفيق لأجد الإفطار الذي أعدته والدتي ينتظرني، فتراني ألتهمه بسرعة فائقة، ووالدتي تصيح بي: "مالك متصربع"، لأنطلق بعدها على ظهر "حافلتي" أو دراجتي الهوائية مسرعاً إلى أقرب دكان إلى جانب المنزل، فأشتري الـ "القلول" بما تبقى لي من مال عقب الذهاب إلى المسبح، وأعود إلى "الحارة"، لأجد أقراني ينتظرون ظهوري لتبدأ منافساتنا بلعب "القلول".

كانت حياتنا بسيطة، وكانت عمّان تحضننا في كل يوم، اليوم وقد شاخت عمّاننا، وسرقت منّا على أيدي الفاسدين والمفسدين، أتمنى أن يعود لها شبابها الدائم، أتمنى أن نمسح الغبار عن وجه عمّان، لنرى كم هي جميلة!!

ذلك ليس بالصعب أو بالكثير على عمّان، فمنذ نشأتها وهي تأنف من مصاحبة الفاسدين واللصوص، تأنف منهم وترسلهم للعيش في المنفى أو للعلاج في العاصمة البريطانية لندن، ولكنها وقد شاخت، فقد حان دورنا لنعيد لها نضارة وجهها، حان دورنا وهي التي احتوتنا وقت كنّا أطفالاً لنحملها على أكتافنا، ونحارب كل فاسد ولص سرق جزءاً منها ليبني شركة هنا ومركزاً تجارياً هناك.

عمّان، أيا مدينتي وحبي الدائم، فقدتِ البريق، سرقك منّا أناس لم تلمس شوارعك خدودهم كما لامست خدودنا ونحن صغاراً، ولم يعيشوا في دروبك وحقولك كما فعلنا، من منهم ذهب إلى مدرسته في حي من أحيائك سيراً على الأقدام، لا لشيء، ولكن ليتسامر معك؟ من منهم كان يلقي بنفسه في ترابك بحثاً عن طفولته السعيدة؟! من منهم ركب حافلات النقل العام ليرى كل تفصيلة من جمال وجهك؟

خذوا تلك السيارات الفارهة التي تركبونها، وخذوا قصوركم العاجيّة التي أثقلت أرض عمّان، احملوا شركاتكم ومراكزكم التجارية، وانصرفوا، وأعيدوا لنا عمّان!!