الجمعة، 30 مارس، 2012

على هذه الأرض .. في يوم الأرض – بقلم طلال عبدالله


ما بين آذار ونيسان، تتفتح ورود الربيع، تحمل دماء الشهداء، ورائحة بارودهم، وفي قلبها تحمل الأسماء، من دمشق إلى بيسان، من الرباط إلى بغدان، من بيروت إلى أسوان، من القدس إلى تطوان، ومن الجزائر إلى عمّان.

أنا أرضي التي تأبى إلا وأن تتحدث بلسان الضاد، أنا أرضي التي ترفض الاستعمار، أنا أرضي التي أموت لتحيا، أو أحيا لتموت، أنا أرضي السورية العصيّة، أنا أرضي الفلسطينية البهيّة، أنا أرضي المصرية الأبيّة، أنا أرضي من المحيط إلى الخليج، أنا أرضي العربيّة.

تختلج الكلمات في خلدي في هذا اليوم بالذات، ويرفض قلمي الكتابة، فلا أقوى على التعبير، وتهمس لي الورقة البيضاء التي أحاول الكتابة عليها بالكف عن محاولاتي اليائسة، لأستسلم لمحمود درويش وهو يقول: على هذه الأرض، سيدة الأرض!!!


على هذه الأرض ما يستحق الحياة
تردد إبريل، رائحة الخبزِ في الفجر
تعويذة امرأة للرجال
كتابات أسخيليوس
أول الحب
عشب على حجرٍ
أمهاتٌ يقفن على خيط نايٍ
وخوف الغزاة من الذكرياتْ


على هذه الأرض ما يستحق الحياةْ
نهايةُ أيلولَ
سيّدةٌ تترُكُ الأربعين بكامل مشمشها
ساعة الشمس في السجن
غيمٌ يُقلّدُ سِرباً من الكائنات
هتافاتُ شعب لمن يصعدون إلى حتفهم باسمين
وخوفُ الطغاة من الأغنياتْ


على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة
على هذه الأرض .. سيدةُ الأرض
أم البدايات .. أم النهايات
كانت تسمى فلسطين
صارتْ تسمى فلسطين
سيدتي: أستحق، لأنك سيدتي
أستحق الحيـــــاة
محمود درويش





الجمعة، 23 مارس، 2012

عمّـــان .. فقدتِ البريق – بقلم طلال عبدالله

هي مدينة قلّ أن تجد لها نظير في العالم، جميلة بهية، لي في كل شارع من شوارعها حكاية ورواية، هي في نظري أجمل من اسطنبول، وأبهى من لوس أنجلوس، أتوجه أحياناً بأسئلة إلى نفسي، فتهمس لي عمّان بالإجابة، وتطالبني أن أبقي الأمر سراً بيننا.

ذلك لأنها تحبني، تماماً كما أحبها، فهي تعرف كل شيء عني، وأنا أذوب دوماً في عشقي وهيامي لها، فهي فرحي بالمطر حين كنت طفلاً صغيراً، وهي ترقبي للثلج لأتغيب عن المدرسة، هي ذهابي في العطلة إلى جبل عمّان مع والدتي، وهي همومي وأنا أبحث سلسلة روايات "رجل المستحيل" في شوارع وسط البلد.


أذكر تماماً كيف كانت عمّاني في تسعينيات القرن الماضي، أذكر رائحتها الزكية وأنا في طريقي إلى المدرسة، أحفظ طعم الزعتر البلدي الذي كنت أدمن عليه وأتناوله بين حصصي المدرسية السبع، أشتاق لطعم العصير ذو الخمسة قروش، وأفتقد شمسها وأنا عائد إلى البيت من المدرسة.

لم تكن هموم الحياة قد أخذتني بعد، ولكنني كنت أرى عمّان بمنظار مختلف، وأعتقد بأن الجميع كانوا كذلك، حتى الكبار، فقد كانت بهية جميلة، حياتها بسيطة، كبساطة جمالها الساحر، فيها مساحات خالية تكتسي بلون أخضر بهي في الربيع، ولها شوارع لا تكتظ بالسيارات والحافلات حتى باتت أكثر من البشر كما في أيامنا هذه.

اللون الأخضر ذلك كان يدفعنا للبحث عن دودة ملوّنة، كنّا نسميها "دودة الربيع"، أما الدعسوقة والتي كنّا نطلق عليها اسم "أبو علي" فكانت هي تبحث عنّا، وتعلم جيداً أين ومتى تجدنا، في حين كانت الفراشات تأنف مصاحبتنا، بل وكانت تغير اتجاه مسيرها حين ترانا، كانت تمتلك كبرياء عمّان، الذي لم يعد كبرياءً في أيامنا هذه.

حتى ألعابنا العمّانية كانت بسيطة وجميلة، كنّا نلعب كرة القدم في الشوارع، وعيوننا ترقب بحذر شديد الحديقة التي يملكها "الجار الشرس"، الذي يهددنا دوماً بأخذ الكرة منّا إذا ما قمنا بإزعاجه في فترة قيلولته، بل ويهددنا أحياناً بتقطيع كرتنا إرباً إذا ما وصلت إلى حديقته، علماً بأننا كنّا نجمع ديناراً ونصف لشرائها.

ولكن "الجار الشرس"، كان يتلقى ضربات موجعة منّا، فقد كانت حديقته التي تحتوي على أشجار التفاح والمشمش والدراق والأسكدنيا والتوت عرضة للسطو من قبلنا، وأنا على ثقة بأنه كان على علم بزياراتنا تلك، ولكنه كان يفضل مراقبة كيفية تناولنا لتلك الفاكهة اللذيذة -دون غسلها حتى- من خلف زجاج بيته بصمت، كانت شهية وجميلة، صدقوني، كانت تحمل نكهة عمّان في داخلها.

وكنّا نرقب بشغف مجيء الصيف، لا لأكل البطيخ الأحمر اللذيذ فحسب، ولكن لبدء عطلة نهاية العام الدراسي، والتي كانت بمثابة جنة لنا، فترانا يوماً نذهب إلى مسبح متواضع في عمّان، لقضاء يوم سباحة جميل، ونعود إلى بيوتنا وقد أتعبتنا تلك الرياضة، لننام على الأريكة ونحن نشاهد قناة "عمّان"، ونستيقظ في الصباح على وقع أصوات أمهاتنا وهي تقول: "قوم بكفّي نوم".

أصوات أمهاتنا في تلك الفترة الزمنية كانت تترافق دوماً مع أغاني صباحية أردنية تحكي قصة عمّان، ما زلت أذكر كم هي جميلة حتى يومنا هذا، "وطني الشمس بتفخر إنها تكتب اسمها فوق ترابك، وطني المجد تمنى يبقى آخر كلمة بقلب كتابك"، أو أغنية أخرى سورية –حيث لم نكن حينها نؤمن بالحدود- "صباح الخير يا وطناً يسير بمجده العالي إلى الأعلى، ويا أرضاً عشقنا رملها والسفح والشطآن والسهلا".

أذكر جيداً كيف كنت أستفيق لأجد الإفطار الذي أعدته والدتي ينتظرني، فتراني ألتهمه بسرعة فائقة، ووالدتي تصيح بي: "مالك متصربع"، لأنطلق بعدها على ظهر "حافلتي" أو دراجتي الهوائية مسرعاً إلى أقرب دكان إلى جانب المنزل، فأشتري الـ "القلول" بما تبقى لي من مال عقب الذهاب إلى المسبح، وأعود إلى "الحارة"، لأجد أقراني ينتظرون ظهوري لتبدأ منافساتنا بلعب "القلول".

كانت حياتنا بسيطة، وكانت عمّان تحضننا في كل يوم، اليوم وقد شاخت عمّاننا، وسرقت منّا على أيدي الفاسدين والمفسدين، أتمنى أن يعود لها شبابها الدائم، أتمنى أن نمسح الغبار عن وجه عمّان، لنرى كم هي جميلة!!

ذلك ليس بالصعب أو بالكثير على عمّان، فمنذ نشأتها وهي تأنف من مصاحبة الفاسدين واللصوص، تأنف منهم وترسلهم للعيش في المنفى أو للعلاج في العاصمة البريطانية لندن، ولكنها وقد شاخت، فقد حان دورنا لنعيد لها نضارة وجهها، حان دورنا وهي التي احتوتنا وقت كنّا أطفالاً لنحملها على أكتافنا، ونحارب كل فاسد ولص سرق جزءاً منها ليبني شركة هنا ومركزاً تجارياً هناك.

عمّان، أيا مدينتي وحبي الدائم، فقدتِ البريق، سرقك منّا أناس لم تلمس شوارعك خدودهم كما لامست خدودنا ونحن صغاراً، ولم يعيشوا في دروبك وحقولك كما فعلنا، من منهم ذهب إلى مدرسته في حي من أحيائك سيراً على الأقدام، لا لشيء، ولكن ليتسامر معك؟ من منهم كان يلقي بنفسه في ترابك بحثاً عن طفولته السعيدة؟! من منهم ركب حافلات النقل العام ليرى كل تفصيلة من جمال وجهك؟

خذوا تلك السيارات الفارهة التي تركبونها، وخذوا قصوركم العاجيّة التي أثقلت أرض عمّان، احملوا شركاتكم ومراكزكم التجارية، وانصرفوا، وأعيدوا لنا عمّان!! 



الاثنين، 19 مارس، 2012

إلى أمـــــي - بقلم طلال عبدالله


أمي ..
أنتِ الطهارة في ثورة تونــس ..
وأنتِ النقـــاء في ثورة مصــــر ..
أنتِ الحلم في ثــورة اليمـــــــــــــن ..
وأنتِ الجمــال في ثورة البحرين ..

أنتِ بريق الحرية الذي يرفض استعمار أوطاننا ..

جمال لبنان سوادٌ في عينيــــك .. وصمود سوريا شالٌ على كتفيــك ..
عنفوان الأردن عطرٌ بين يديك .. وطهر فلسطين أقراطٌ في أذنيك ..

أنتِ عراقة مصر .. وآهات سوريـــــا ..
أنتِ روح الجزائر .. ودمـــوع ليبيــــــــــــا ..

أنتِ عروبة العراق .. وفي بغداد أنتِ الاشتياق ..

لطالما رأيت في عينك اليمنى وطني العربي الكبير من المحيط إلى الخليــــــــج ..
ولطالما رأيت في عينك اليسرى وطني العربي الصغير من النهر إلى البحـــر ..
دمتِ نبضي في كل ثانية من العمر .. ودمتِ فخري وسندي أبد الدهــــــــــــــــر ..

كل عام وأنتِ أمي وأختي وحبيبتي وصديقتي ويمامتي .. كل عام وأنتِ الحياة .. كل عام وأنتِ ثورتي

السبت، 10 مارس، 2012

مقالة لي نشرت على موقع بلاد العرب

كل الشكر لموقع بلاد العُرب الاخباري وجميع القائمين عليه وللأستاذة سوسن أبو عجمية على هذا الدعم


رابط المقالة على موقع بلاد العُرب
رابط المقالة على موقع بلاد العُرب
http://beladalorb.com/cat16/13736.html


موقع بلاد العُرب الاخباري
http://www.beladalorb.com

الأربعاء، 7 مارس، 2012

تحية لأم الشهيد .. في يوم المرأة العالمي - بقلم طلال عبدالله


يصادف اليوم، الثامن من آذار/مارس، اليوم العالمي للمرأة.

أيّاً كانت الرواية التاريخية الصحيحة التي تقصّ وقائع الحادثة التي قادت ميلاد هذا اليوم، وأيّاً كان العام الذي يعود له الفضل في ظهور هذا اليوم، في الـ 1857 أو 1945 أو حتى 1908 م، فإن لهذا اليوم نكهة خاصة، مليئة بعبق نضال المرأة، وبرائحة تضحياتها وآلامها.

وللمرأة العربية خصوصية في هذا المجال، بل وريادة قلّ أن تجد لها مثيل، ريادة ممزوجة بالأمل والتضحية، فالعالم من أقصاه إلى أقصاه يعلم بأن المرأة العربية تحتضن التضحية تلو الأخرى، بوفاء منقطع النظير.

هي أم الشهيد، هناك في فلسطين، تؤكد على أنها هي من أرسلت بولدها إلى القتال في سبيل الوطن، لتستقبل خبر استشهاده بالزغاريد وتوزيع الحلوى، وهي ابنة الشهيد، تؤكد في مخيم جنين على أن نساء فلسطين لم يمتن، وبأنهن سيواصلن إنجاب الأبطال تلو الأبطال، حتى النصر.

وتراها تحتضن شجرة الزيتون لمنع جرافات الكيان الصهيوني من اقتلاعها، وتراها بعنفوان تختطف طائرة في سماء الكون وهي ترتدي قميصاً عليه صورة الثائر الأممي تشي جيفارا، واسم فلسطين منقوش في قلبها، فيكون بذلك اسم ليلى خالد ملازماً لاسم فلسطين.

وتراها تقود الرجال، فدائية من طراز خاص، ترفع علم فلسطين على حافلة تسير في الطريق الرئيسي بين حيفا وتل الربيع، تجندل الرجال، وترفع اسم وطنها عالياً في سماء الدنيا، لنهتف باسمها حتى يومنا هذا قائلين: "يا دلال يا دلال .. حكّام العرب أنذال".

أو لربما هي أديبة من الناصرة اسمها مي زيادة، أو شاعرة من نابلس تدعى فدوى طوقان، أو حتى مناضلة من الجزائر بلد المليون شهيد تدعى جميلة بوحيرد التي علّمتنا بأن الجزائر أمنّا، في وقت كان يجبر الرجال فيه على القول: "فرنسا أمنّـا"، أو شابة تونسية تدعى آمال علوي، عشقت علم بلادها أكثر من أي شيء آخر.

لربما هي مصرية سمراء، تمتلك نوراً كأنوار النجوم، ابنة شاعر له لسان سليط، نوارة نجم، أو لربما هي مدونة مصرية شابة تدعى أسماء محفوظ، تتمنى أن ترى مصر قوية عزيزة، وقد تكون وردة "تفتحت في جناين مصر"، وجهها كالقمر، تدعى سالي زهران، أو لربما هي حسناء لبنانية تدعى سهى بشارة وتكنّى بزهرة الجنــوب، تكنّ البغض لكل خائن وعميل.

هي المرأة العربية إذن، التي تمتلك صمود هناء الشلبي، شجاعة صمود كراجة، تضحية آيات الأخرس، رقة دارين أبو عيشة، صبر عائشة عودة، حكمة مريم أبو دقة، بسالة ريم الرياشي، إباء فاطمة النجار، وجسارة وفاء إدريس.

لن نصمت إذن عندما يقول لنا شخص بأن صوت المرأة عورة، لنقول له بأن صوت المرأة ثورة، هي الأم والأخت والصديقة، هي الحبيبة والحياة، هي الثـــــــــورة، لم يكن صوتها يوماً عورة، ولن يكون، تحية لها في يومها العالمي، وتحية بحجم هذا اليوم لكل أمهات الشهداء.