الجمعة، 10 فبراير، 2012

تحية لمصر .. أم الدنيا - بقلم طلال عبدالله


يا مصر قومي وشدّي الحيل .. مصر التي في خاطري وفي فمي .. مصر يمّه يا بهيّة .. صباح الخير على أولادك .. صباح الياسمين والفلّ .. تعيشي ويفنوا حسّادك .. ويسقوهم كاسات الذّل .. يا مصر إنّ الحق جاء .. فاستقبلي فجر الرجاء.

تعيش مصر -قلب العروبة النابض- في قلب كل فرد من أبناء هذه الأمة العظيمة، ويحمل الكثير من كبار السن لدينا في بلاد الشام ذكريات حقيقية عن مصر في حقبة ناصر، فتراهم يستذكرون دوماً دموع ناصر عند التنحي، وفرحة الجلاء، وآلام الخامس من حزيران، وزغاريد حرائر مصر تهليلاً بقوانين الإصلاح الزراعي، وأحزان فراق ناصر و"جنازاته"؛ نعم أقول جنازاته الرمزية في شتى أنحاء وطنه العربيّ الكبير من المحيط إلى الخليج.

حتى معظم شبابنا يحملون ذكريات من طفولتهم على شواطئ الأسكندرية في رحلة سياحية، وفي أزقة حي الحسين بالقاهرة، وعلى طاولات المطاعم الشعبية في السيدة زينب، وفي الشوارع المؤدية إلى القلعة والأهرامات، وعلى الجسور فوق النيل، وفي مراكب النيل تحت تلك الجسور، ذلك النيل .. الشاهد الأكبر على عظمة مصر التاريخية.






غابت عنّا مصر، على مدار أربعة عقود من الزمن، وسرقها منّا نظام محمد أنور مبارك، بل وغاب حسّها الثوري، ورحل عنّا حلم الوحدة العربية، إلا أن شعبها أبى إلا وأن يعيد مصر إلى أحضان وطنها العربي، وأسقط نظاماً عميلاً أذاق مصر ويلات التبعية والرجعية منذ وفاة ناصر، هاج في الشوارع، ونزف الدماء، وقدم الشهداء، ولم تغب عنه خفة الظل حتى في أعتى الظروف، هي مصر بروعة ميدان تحريرها، وبعظمة نيلها الذي يقسم القاهرة إلى شطرين.

استذكرت في هذا المقام جملة رددها ممثل مصري في أحد الأفلام التي تتحدث عن الظلم الذي تعرض له أبناء الشعب المصري في تلك الفترة، الأمر الذي دفعه للتفكير في مغادرة مصر بسبب اتهامه بقتل صاحبه الذي كان يخطط لفضح مسؤولين مصريين كبار، يقول فيها: "حنلاقي فين بلد زي دي؟ سبع آلاف سنة بتتسرق، وولادها لسه لاقيين لقمة ياكلوها وهدمة يلبسوها .. والله عمار يا مصــر"، بالفعل، هو أمر يثير العجب!!

وعلى الرغم من كل محاولات "الباشاوات" أصحاب رؤوس الأموال المشبوهة لسرقة مصر من أهلها، إلا أنها بقيت دوماً لأهلها، بقيت لعرابي وزغلول، لنجيب محفوظ وطه حسين وإحسان عبدالقدوس، لعمنا أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام، لأم كلثوم وسيد درويش، لتوفيق الحكيم وصلاح جاهين، لأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وأمل دنقل.

بقيت شامخة كتاريخها ورحل عنها كل الغزاة، كيف لا وهي عماد الوطن العربي، فمصر قوية تعني أمة عربية قوية، ومصر ضعيفة تعني شللاً للأمة العربية بأسرها، هذا ليس بأمر جديد، بل تاريخنا يقول ذلك، لذلك لم تكن الاحتفالات التي عمّت وطننا العربي الكبير من المحيط إلى الخليج غريبة عند عودة مصر إلى عروبتها عقب ثورة يناير، فقد طال انتظارنا لها.

إذن فهو شعب عظيم استمع لرفقائه في تونس الخضراء وهم يصيحون "إذا الشعب يوماً أراد الحياة .. فلا بد أن يستجيب القدر"، ليطيح ذلك الشعب بنظام متخاذل -أذلّ شعبه وتواطأ على أمته- في ثمانية عشر يوماً فقط، هي ثورة عظيمة تلك التي قام بها أبناء مصر على نظام محمد حسني السادات، صنعت من ميدان التحرير دولة مصرية حقيقية أسمى وأعظم وأروع من تلك التي شكّلها نظام السادات-مبارك وحاشيته، أقام المصريون هناك المستشفيات الميدانية بديلاً لوزارة الصحة، وازدهر الفن الإبداعي من شعر وأدب ومسرح، فكان البديل لوزارة الثقافة.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، فقد تقاسم أبناء التحرير الغذاء، ووفروا الطعام والفراش لكل من في ذلك الميدان الذي تذكرنا فجأة أن اسمه التحرير، لتتكون بذلك وزارة للتموين، حموا ميدان التحرير فكانوا البديل لوزارة الداخلية، رفضوا تبعية مصر لأمريكا والكيان الصهيوني من خلال شعاراتهم، فكانوا بذلك وزارة للخارجية، انقطعت عنهم الكهرباء، فأتوا بالمولدات وأشعلوا الأنوار، ليشكلوا وزارة للكهرباء والطاقة.

وتوالت الأحداث، فسقط رأس النظام الفاسد، وارتأى شعب مصر بأن سفير الكيان الصهيوني شخص غير مرحّب به على الأراضي المصرية، فرحل عن مصر، بإرادة شعب مصر، وأنزل ذلك الشعب العظيم راية الكيان الصهيوني من على سفارة الكيان في القاهرة، على الرغم من الإجراءات الأمنية المشددة، فقد طار أحد المصريين إلى الأعلى في مشهد رائع، ومشى على الجدران ليثبت بأن المستحيل كلمة غير موجودة في القاموس المصري، وأسقط راية الكيان الصهيوني، ليرفع بدلاً منها علماً جميلاً يحمل ألواناً ثلاثةً ونسراً شامخاً كبرج القاهرة.

والآن وعقب عام من سقوط اللا-مبارك، يكمل الشعب المصري ثورته العظيمة، ويعود إلى ميدان التحرير، ليعلم الجميع بأن مصر عادت ""ناصرية"، ففي نظر ذلك الشعب العظيم، لم تقم ثورتهم لتغيير الوجوه واستبدال مبارك بطنطاوي وأتباعه و"إخوانه" ممن ركبوا موجة الثورة، وتخلوا عنها ليلتفتوا إلى المناصب والكراسي في مجلس الشعب، بل قامت لتغيير نظام تابع خاضع للولايات المتحدة واستبداله بنظام مستقل مقاوم ومقاتل على رأس أولوياته قضيتنا المركزية في فلسطين الحبيبة.

حري بنا إذن أن نرفع قبعاتنا لشعب ثائر كالشعب المصري، شعب أم الدنيا، وأن نشكر تونس التي أعادت إلينا مصر، وذكرتنا بأن الشعب إذا أراد الحياة يوماً، فلا بد أن يستجيب القدر، وبأن الليل مهما بدا طويلاً ومعتماً وحالكاً فمصيره إلى زوال وفجر جديد، وبأن القيد مهما بدا متيناً، فسيأتي يوم ينكسر فيه بإرادة حرة.

إذا الشعب يوماً أراد الحيـــاة .. فلا بد أن يستجيب القــــــدر
ولا بد لليل أن ينجلـــــــــــي .. ولا بد للقيد أن ينكســــــــــر
ومن لم يعانقـه شوق الحياة .. تبخـر في جوها وانذثــــــــــر
كذلك قالت لـي الكائنــــــات .. وحدثني روحهـــــا المستتــر
ودمدمت الريــح بين الفجــاج .. وفوق الجبال وتحت الشجــر
إذا ما طمحــت إلى غايــــــة .. ركبت المنى ونسيت الحــذر
ومن لا يحب صعـــود الجبــال .. يعش أبد الدهر بين الحفــــر
فعجت بقلبي دمـــاء الشباب .. وضجت بصدري رياح أخــــــر
وأطرقت أصغي لقصف الرعود .. وعزف الرياح ووقع المطــــــر
وقالت لي الأرض لما سألــت .. يا أم هل تكرهين البشــــــر
أبارك في الناس أهل الطموح .. ومن يستلذ ركوب الخطـــــر
وألعن من لا يماشي الزمــان .. ويقنع بالعيش، عيش الحجر

شاعر الخضراء .. أبو القاسم الشابي (1909-1934)