الجمعة، 5 يونيو، 2015

سماء حزيران، وأنين القهوة فيه!

الحادي والثلاثين من أيار ٢٠١٤، يوم على دخولي عقدي الرابع، لكأن الوقت بات يمضي أسرع من ذي قبل، والمؤكد أنك تصبح أكثر إحساساً بالأشياء، وأكثر إدراكاً للأمور.

القهوة، لم تكن لذيذة في صباح الحادي والثلاثين من أيار ٢٠١٤، كانت شديدة المرارة، والحبوب الشقراء تطغى على السوداء فيها، استطعت تمييز ذلك على الرغم من استعجالي في ارتشافها!

الساعة الرابعة بعد الظهر، هل كان طعم القهوة لذيذاً في الصباح؟ لا أدري؛ لربما كان كذلك، ولربما لم أرها أنا كذلك لاستعجالي في ارتشافها، فالقهوة لا تُشرب على عجل، هلّا استرقت فنجاناً من القهوة في رابطة الكتّاب الأردنيين أثناء التحضيرات لفعالية الذكرى السنوية الثالثة لانطلاقة راديكال!

جاء رنين الهاتف ليقطع عليّ انشغالي بارتشاف قهوة لذيذة، صوت مرتعد من وراء الهاتف: "أخوك كثير تعبان، أحمد بموت"!

وأنا في طريقي إلى مستشفى الحسين للسرطان كانت القهوة تشغل حيّزاً صغيراً من تفكيري الذي انشغل بمن يرقد في المشفى بين الحياة والموت، لا بأس تبدو الليلة طويلة، سأنام في المستشفى إلى جانبه، وسأقضي الليل ما بين الاطمئنان على نومته وما بين السجائر والقهوة على باب المستشفى، هل قهوة المحل الصغير على باب المستشفى لذيذة؟

لم أستطع يوماً تمييز ذلك، لا أعرف السبب، لربما بسبب حالة القلق الدائمة على أحمد، لم أُميِّز ذلك مع أنني أعشق القهوة وأدعي أنني أتقن وأحترف تحضيرها!

ضجيج المستشفى، أجهزة التنفس الاصطناعي تثقل كاهل أحمد، الجميع يلتف حوله، منّا من يبقى إلى جانبه في الليل، ومنّا من يفعل ذلك في الصباح، نتبادل الأدوار دائماً، ولكن حصتي من أحمد كانت في الليل، وقهوتي التي تنتظرني كانت دائماً في الليل!

الساعة الحادية عشرة، الحادي والثلاثين من أيار ٢٠١٤، الكثير من الأصدقاء ورفاق العمل العام ينتظرون أمام الباب للاطمئنان على أحمد، أذكر جميع الوجوه، المجامل منها والقلق، كل هذا، ولم أكن لأدرك أنني على بعد ساعتين من ارتشاف القهوة التي ستكون الألذ في حياتي، والتي ما زلت أبحث عن طعمها حتى يومنا هذا!

الواحدة بعد منتصف الليل، دخل يوم جديد، الأول من حزيران، هل حقاً يختلف طعم القهوة في حزيران؟ هو ذاته سؤال المطر، مطر حزيران!

أنس وإيهاب يؤانسان وحدتي على باب المشفى، وأنا أسهب في شرحي لهم عن حالة أحمد الذي تمكن المرض من كافة خلايا جسده، سأطلع للاطمئنان على أحمد وأعود لكم، إيهاب متسمّر في مكانه، وكأن قلبه حدثه باقتراب رحيل أحمد فآثر عدم رؤيته على هذه الحالة!

أحمد يغرق في النوم، وأنا لا أطيق رؤية جهاز العذاب الاصطناعي يقتص من رئتيه، أعود إلى أنيسيّ لأجد ثالثهم قد وصل، صاحب الوجه الجميل والابتسامة الملائكية والصوت الرخيم، إبراهيم.

"أبو ماجد"!!! أذكر تماماً كيف احتضنتني حتى أحسست بأنني أحد أولادك!!! ماجد أو كارم أو حتى الأميرة الصغيرة سلمى، حنانك في تلك الليلة كان غريباً واستثنائياً، وفوراً بدأنا الأحاديث مع السجائر التي لا تنتهي، ماذا ينقصني؟ القهوة بكل تأكيد!!!

أصرّ إبراهيم في تلك الليلة أن يعطيني قهوته، وذهب ليحضر فنجاناً آخر له! واستمرت أحاديثنا إلى الثانية فجراً، وكان لسنوية راديكال نصيب الأسد من حديث إبراهيم، وكان للضحك السواد الأعظم من ليلتي وأنا أستمع لبعض الأمور الظريفة التي تخللت السنوية من إبراهيم!

قضيت ليلتي بجانب أحمد بعيد مغادرة جلّاسي، وطعم قهوة إبراهيم وجد له مستقراً في الذاكرة، كم كانت لذيذة!!!

أيام قليلة وستعرف أنك لم ولن ترتشف قهوة بلذة تلك القهوة!

صباح الأحد الأول من حزيران ٢٠١٤، جاءت هديل لأغادر أنا إلى المنزل بعد قضائي لليلتي عند أحمد، النوم كان ينتظرني هناك، كان يوماً خالياً من القهوة، هل سأصوم عنها بعدما شربت ألذها؟

الثاني من حزيران ٢٠١٤، كان يوماً للسماء، يوم تمكّن السرطان من أحمد فأرداه شهيداً!

الثاني من حزيران ٢٠١٤، لم أستطع النوم في الليل حتى ساعات الفجر الأولى، قضيت الليلة التي سبقتها في المستشفى معه، الإرهاق والتعب نالا من هذا الجسد، فأمسى مقهوراً متعباً لا يملك حتى القدرة على القتال!

صباح الثاني من حزيران ٢٠١٤؛ يبدو شكل السماء غريباً، صوت المذياع في سيارة الأجرة تشوبه كل ضربات السنين، عقل ينشغل بمن يرقد في المستشفى، وطريق إلى العمل اعتدتها كل يوم، حتى بت أحفظ شكلها بكامل التفاصيل عن ظهر قلب!

أقول لمن أحب دوماً بأنني أخشى تلك الأيام التي أستيقظ فيها من النوم وفي صدري غصة ما، فغالباً ما تحمل لي تلك الأيام المشاكل والهموم، ولكنها لم تحمل إليّ يوماً رائحة الموت!

الموت! وهل له رائحة؟

تتزاحم الأفكار دوماً في الصباح، تماماً كما تتزاحم المشاعر في الليل، نعم يبدو شكل السماء غريباً في هذا اليوم، لعلّها لعنة الاثنين! من يدري!

في العمل، بعض الوجوه أضحت تعرف حالاتي كلها، ولكن الوضع اليوم كان استثنائيّاً! هل حقاً يبدو شكل السماء غير مألوف في هذا الصباح!

عندما يبدأ الهاتف بالرنين، وتبدأ ضربات قلبك تعلو مع ارتفاع نغمته الموسيقية، تبدو الأمور أكثر تعقيداً، ولكن كل ذلك قد لا يبدو منطقياً، فالسماء جميلة جداً في هذا اليوم!

ليس رنين الهاتف وحده من يجعل تلك الضربات تقرع كطبول الحرب، بل الصوت القلق من خلف الهاتف يصرخ هلعاً من خشية فقدان حبيب ما، هل تبدو السماء أكثر زرقة بالفعل؟ لربما كانت كذلك، فقد منعني الطريق من العمل إلى المستشفى من ملاحظة ذلك!

الساعة الثانية بعد الظهر، الثاني من حزيران ٢٠١٤، رائحة الدواء تملأ المكان، أناس يلتفون حوله ويحجبون عنه حتى الأنفاس الأخيرة التي لم يعد يقدر على أخذها لوحده! سماء لا تستجيب، هل ما زالت زرقاء بالمناسبة؟

أنت؟ لماذا أنتَ هنا؟ هل جئت حقاً للاطمئنان على صحتي؟ اطمئن، سأرحل بعد قليل! وأنت، ألم تظلمني كثيراً حتى بات لون السماء يميل إلى السواد دوماً في نظري بسببك؟ بالمناسبة؛ لم أرَ شكل السماء منذ أيام، فأنا طريح هذا الفراش في المستشفى، كيف هو شكلها اليوم؟

أنت؟ ألم تطردني من بيتك في أحد الأيام؟ وأنت، ألم تتمنى موتي لأن السرطان الذي تمكن من كافة خلايا جسدي بات عبئاً عليك؟ ماذا تفعلون كلكم هنا؟ لم يجبني أحد منكم، كيف هو شكل السماء اليوم؟

الرابعة بعد الظهر، الفوضى تعم المكان، طبيب في الحجرة ليتأكد من الموت الذي عرفت أنه يحوم في المكان من رائحته، أناس يفترشون الأرض، مشعوذون، تمتمات شيطانية، دموع تسيل بسهولة وبلا أي معنى، ودموع شامخة تبقى حبيسة عيون صاحبها، شامخة؟ باسقة؟ هل لامست أديم السماء؟ السماء؟ ما لونها في الخارج؟ سمعت أن الغيوم بدأت تحيط بالشمس، هل ستمطر في حزيران!!! كيف سأخرج؟ ليس معي ما أتقي به من المطر!

لقد باتت الحجرة فارغة إلّا منك ومن بعض الممرضين يا أحمد، لماذا ترتدي اللون الأبيض؟ ما كل هذا الضجيج؟ وما كل هذا النحيب؟ بكاء بلا معنى؟ بكاء الظالم لأن المظلوم قد رحل؟ وجع الفراق لمن أبى أن يشاطرك المسكن! ما كل هذا؟ ثلّاجة الموتى!!! سماء لا تدري ما لونها! ودموع ما زالت عصية على الانهمار، شامخة كجبل لا يهتز من الريح!

خلاف على إعلان الوفاة! أين سيتم العزاء؟ في أي ساعة ستبدأ مراسم الدفن؟ من سيقدم الغداء لأهل المتوفى في أيام العزاء الثلاثة؟ كيف ستكون السماء غداً؟ صافية أم ملبدة بالغيوم؟ هل انتهينا من كافة الترتيبات؟

يعود الليل من جديد، تسكن الكائنات كلها، يسكن الجميع، القمر فوق كتف الوطن، أحبابنا تحت التراب ينامون النومة الأبدية، تطاردنا ذكرياتهم، وتلاحقنا ضحكاتهم، آخر همساتهم، والأفكار التي سكنت رؤوسهم قبيل دقائق من الرحيل!

يعود مع ألم لا يُحتمل، وحزن يملأ الدنيا!

ودمعة ما زالت عصية على أعدائها! وسماء بات لونها شديد السواد، فهي بلا قمر يضيء عتمتها!

الحزن يملأ المكان، والدموع بدأت تجد مكاناً لها على الوجنتين، ففي الليل لا يراكَ أحد وأنتَ تبكي إلّاك! والسماء من شدة الحزن بات لها لون صعب التمييز، مع أن الواضح أنه يميل إلى السواد!

في مفردات الذاكرة، الثاني من حزيران ٢٠١٤، مطبوع بتفاصيله الدقيقة، والصغيرة، الألوان القاتمة، نظرات العشّاق في الأماكن العامة، طعم القهوة، قطرات الندى تعتلي أوراق الأشجار، السجائر التي لم تنطفئ لكثرتها!

والدموع الحبيسة، وشكل السماء!

كيف مرت الأيام، لا أدري، لكأنه كان بالأمس، لكأن الليالي التي قضيناها على أبواب المستشفيات كانت بالأمس، كيف يأتينا الموت فجأة؟ فنمسي في عداد من رحلوا!

الشوق، الاشتياق، تلك المشاعر التي قد تقتلك لو تمكنت منك، والكارثة أنها تأبى أن تتركك وشأنك، ضحكات عيونهم الثابتة، وطريق النحل!

الثالث من حزيران ٢٠١٤، الحزن يلف المكان، أتشح أنا بالسواد، والطريق بدت قصيرة جداً إلى سحاب -مثوى أحمد الأخير-، وعلى الرغم من كل هذا تنقصني القهوة لأستعيد القدرة على التركيز، ذلك بأن اليوم كان مليء بالآلام؛ تغسيل الميّت! دفنه! انطلاق مراسم بيت العزاء! لمن تلك اليدين التي تمسك بكتفيّ عند قبر أحمد؟ أين القهوة؟

هبوط لأحمد في القبر، الجميع يساعد، على الطرف هناك من يلقي نظرة الوداع عليه، وعلى طرف آخر فضولي يراقب كيف تتم عملية الدفن، وأنا سارح في أحزاني، ويدان تمسكان بكتفيّ تبعثان الاطمئنان في نفسي يا إبراهيم، مشعوذ يأتي ويذهب بابتسامة خبيثة، وأحدهم ينتحب على القبر بلا معنى، هي عقدة الذنب على ما يبدو!

بدأ العزاء، الكثير من القهوة العربية، إنها تفي بالغرض، وأنا ما زلت أبحث عن طعم قهوة إبراهيم في كل مكان!

مساء الرابع من حزيران ٢٠١٤، ها إنتَ تُطل عليّ بطلّتك البهية، ضحكات عيونك الثابتة، سحر حضورك، أين القهوة؟

أحاديثك التي لا تنتهي مع كبار السن، أعرف تفاصيل ذلك الحوار الأخير في مجلس عزاء أحمد، ولكن الأمر الذي لا يفارق الذاكرة؛ تلك النظرة التي رمقتني بها مع ابتسامة عجيبة بأن اطمئن، وحواركَ مع أحدهم يوشك على الانتهاء! هل أعجبتكَ القهوة؟

تركتَ بيت العزاء، وتركتني أنظر صوب الباب لعلّك ترجع، وجودكَ يشعرني بالأمان، أما الساعات التي بدأت تمشي وكأنها في سباق مع الزمن؛ فما كنتُ لأتوقع ولو للحظة أن تحمل لي ما حملت! لم يبقَ قهوة في بيت العزاء!

الواحدة بعد منتصف الليل، يوم جديد؛ الخامس من حزيران، لم يكد ظهري يلامس الفراش، حتى سمعت صوت إيهاب من خلف الهاتف: "إبراهيم قلبه وقّف"، ولم يكن لهذا الجسد سوى أن ينتفض ألماً ويخرج باحثاً عن وجه إبراهيم في شوارع عمّان، أو لربما في أحد فناجين قهوتها!

على باب غرفة إنعاش القلب في مستشفى الجامعة الأردنية تكدّسنا، الجميع قلقٌ هنا، وأنتَ تنام في الداخل بسكون قلّما اعتدته منك، تبدو ملامحكَ أكثر وضوحاً، الشيب كَثُرَ على جانبي رأسك، لا تتركنا، عاد نبضك، يا من كُنتَ نبضي، واسترقت لحظة لأرتشف بعض القهوة على باب المشفى!

طرقات المشفى خلت إلّا مني ومنكَ يا أنس، وإبراهيم يرقد في غرفة العناية الحثيثة بعدما عاد قلبه لينبض نبضاته الأخيرة دون حراك؛ أنس؟ طلال؟ هل ما زلمتما هنا؟ أحضرا لي بعض القهوة واجلسا إلى جانبي لأتلو عليكم كلماتي الأخيرة، نعم، لا بأس بفنجان من القهوة!

إنه الفجر، أليس كذلك، وهو الخامس من حزيران، ذكرى النكسة ونجاح الصهاينة في اقتلاع ما تبقى من الأرض، سأكتفي بذلك، فما بقي تعرفانه جيّداً، انتبهوا جيّداً لأنفسكم، لصداقتكم وأخوّتكم، لإخوتكم وأبي وأمي وأمرائي الصغار، ولا تنسوا أن للقهوة نكهة خاصة حينما تشربونها برفقة من تحبون!

السابعة صباحاً، ذات الانتظار على أبواب المستشفيات، ذات القلق والريبة، ذات ساعات الانتظار المليئة بالشك، ذات السجائر، ولكن لم تكن ذات القهوة يا إبراهيم!

إيهاب يصّر على أن أعود إلى البيت لأن هذا اليوم سيكون آخر أيام بيت عزاء أحمد، القلب لا يحتمل يا إيهاب، اتركني هنا لأطمئن عليه، لا أشعر بالتعب أبداً، ولا تقلق فالقهوة موجودة؛ لن أشعر بالنعاس!

الخامس من حزيران ٢٠١٤، الذكرى السابعة والأربعين للنكسة، الساعة الرابعة والنصف عصراً، في بيت عزاء أحمد مع الكثير من السجائر والقهوة العربية، أنتظر أن يرن هاتفي ليقول لي أحد ما بأن إبراهيم أفاق مما هو فيه، ولكن دون جدوى، أصدقاء في العزاء يعدون بأن يستطلعوا لي الأمر ويتصلوا بي لينقلوا إليّ الصورة، يأتي الهاتف بعد قرابة الساعة، يدي ترتجف، لا أريد سماع خبر موت جديد، ولكنه كان كذلك!

رحل إبراهيم، هكذا؛ كيف؟ لا أفهم رحيلك! أما الدمعات العزيزة فقد بدأت تقاتل المُقَل وتنتفض معلنة عصيان الأوامر، أعطوني سيجارة والقليل من القهوة!

الساعة الحادية عشرة، عاد الليل، لم يكن لقاؤنا عادياً، إيهاب أتذكر كلماتك جيداً، نزار أذكر دموعك جيداً، أما رفيق دربي ومستودع أحزاني وأفراحي أنس؛ فذاكرتي ترفض أن تمسح أي ثانية من تفاصيل لقائنا! إبراهيم؛ لم يعد للقهوة طعم أبداً.

لا يمكن لكَ أن تحبّ أحد عينيك أكثر من الأخرى، هكذا هم إبراهيم وأحمد.

عودوا أنّى كُنتُم غرباء كما أنتم، فقراء كما أنتم، يا أحبابي الموتى عودوا، حتى لو كُنتُم قد متّم!

يا موتانا، ذكراكم قوت القلوب، لا تنسونا حتى نلقاكم، لا تنسونا حتى نلقاكم!

أحمد عبدالله ... دمتَ أجمل مفردات ذاكرتي!


إبراهيم العكرماوي .. دمتَ أعذب مفردات ذاكرتي!





الاثنين، 16 فبراير، 2015

نشيد الموتى!!!

أفتقد بشرتك السمراء، عيونك السوداء، طيبة قلبك، وذلك البنطال الذي كنت ترفعه دوماً عندما خسرت الكثير من وزنك، اشتقت حتى لكرهك للبس الحزام، على الرغم من أنه كان سيريحك من مهمة رفع البنطال الواسع دوماً!

لكأنك رأيته قيداً، هو كذلك يا أخي، اشتقت حديثك إليّ وأنتَ تريد إصلاح ذات البين بيني وبين أحد أفراد العائلة، اشتقت سيارتك وخوفك من طبيب العيون، اشتقت عشقك للبس النظارات الشمسية، وتلك الأسرار التي لا يعلمها إلّا أنا وأنت!

اشتقتُ قسمات وجهك، استعجالك لكل شيء، زجاجة العطر التي كنت تجلبها لي في كل مرة تعود فيها من الكويت، واشتقت تحذيراتك المتواصلة لي بالابتعاد عن السياسة لأنك تخاف عليّ من عواقب ذلك! واشتقت استفساراتك اللا-منتهية عن أحوال المنطقة السياسية على الرغم من تلك التحذيرات!

اشتقتُ كل تفاصيلك.

أمّا أنتَ، فأفتقد الشيب الذي تسلل إلى جانبي رأسك، ابتسامتك الملائكية، صوتك وأنتَ تقول للأميرة سلمى "تعالي يابه"، ضحكاتك على شيء طريف أتفوّه به، لكأنه كان بالأمس يا أخي!

اشتقت جلستك حينما كانت تأخذنا أحاديث الوطن والسياسة "على ركبة ونصف"، ليالينا في جبل اللويبدة وبيت بلدنا وأنتَ تتوق إلى سماع الأغاني الوطنية، نقاشاتنا التي لا تنتهي، وصوتك في الهاتف وأنتَ تسألني عن مواعيد ندوات قادمة!

اشتقت فنجان القهوة الأخير الذي احتسيناه سوية على باب مستشفى الحسين للسرطان وأنتَ بجانبي للاطمئنان على صحة أحمد، وأصريت وقتها أن تعطيني قهوتك لتجلب أنتَ قهوة جديدة لك! اشتقت أحاديثنا عن السياسة والاقتصاد، اشتقت وصفك وتقليدك لأحد الكتّاب وهو ينتقد راديكال في سنويتها الثانية!!!

اشتقت سخريتك وأنتَ تسألني: "هل فعلاً قال ملك السعودية لشعبه الشعب السعودي الشقيق؟"، أشتاق عبارتك التي أرسلتها لي على على علم سورية بنجمتيه الخضراوين: "سوريا... الله ناسيها"!

اشتقت لمعة التفاؤل في عينيك، والحب الكبير في عينيه، اشتقت الأمل في صوتك الرخيم، والحكمة في صوته الرقيق، وإن كنتما تتشاركان كل هذه الصفات، أنتم أعلم مني بها!!!

اشتقت كل تفاصيلكَ أنتَ أيضاً!!!


أردت أن أقول لك أنني اشتقتكَ، واشتقته، ولا شيء غير ذلك!

"لا متسعَ لنوم في ذهن تبعثر داخله الكثير من الهواجس وسكنه مشاعر متخمة بالألم"!!!



عودوا أنّى كنتم .. غرباء كما أنتم
فقراء كما أنتم
يا أحبابي الموتى عودوا .. حتى لو كنتم قد متّم!

صمتاً .. صمتاً .. من هذا الطارق أبواب الموتى؟
يا هذا الطارق من أنتَ!
أيكون العالم؟
لم يبقَ لدينا ما نعطيه!!!
أعطيناه دمنا!
أعطيناه حتى أعظمنا وجماجمنا
ومضينا مقهورين .. لا نملك إلّا بعض تراب من ماضي!

يا هذا الطارق أبواب الموتى ضوضاؤك تفزعنا
وتقض مضاجعنا
فارجع لا تفجعنا
لا تحرمنا النسيان
يا أحبابي الفقراء
يا أحبابي الغرباء
كنتم أبداً عظماء .. كنتم أبداً عظماء!

الأربعاء، 24 ديسمبر، 2014

عزيزي الله، من رسم الخطوط حول الدول؟

فاطمة ناعوت - نقلاً عن موقع الحوار المتمدن

في إحدى المدارس الأمريكية طلبتِ المعلمةُ من الأطفال أن يوجهوا رسائل إلى الله في عيد الميلاد المجيد، يسألونه عن أحلامهم وأمنياتهم. أو يوجهوا إليه أسئلة مما يخفق الأبوان والمعلمون في الإجابة عنها. وفي حين بدت بعض الرسائل طفولية شديدة البراءة، وبعضها جاء ضاحكاً عابثاً، بدت أخرى عميقةً ماكرة شديدة الإيغال الإشكاليّ والفلسفي، بل والسياسيّ أيضاً. ولا عجب، فالجهل يفتح مدارك الإنسان نحو أقصى مدارج السؤال، عكس المعرفة التي تحدّ رؤانا بسقف الممكن والمنطق، فتنخفض هامَة الأسئلة لتنضوي تحت خيمة المعلوم من الحياة بالضرورة. وحين قال النفّري "الجهل عمود الطمأنينة"، أظنه لم يعنِ فقط أن عدم المعرفة تريح بالك من التفكير بإجابات لأسئلة الوجود الكبرى ومن ثم تطمئن وتنام، على عكس ما يَأْرقُ الفلاسفةُ والعلماءُ، فيخاصمهم النوم وتنأى عنهم الراحة، بل أظنه قصد أيضاً أن المعرفة تحدّ من أسئلتك وتقصّ من شطحاتها لأنك مقيّد بالنظرية ومكبّلٌ بالقانون. فلم يعد ممكناً أن تسأل (الآن) لماذا تدور الأرض عكس اتجاه عقارب الساعة؟ ولماذا ينير القمر ليلاً؟ ولماذا تبدو السماء زرقاء؟ ولماذا تسقط الثمرة من الشجرة بدلاً من أن تطير؟ لكن مَن يجهل يحق له أن يسأل "مطمئناً" عمّا يشاء وقتما يشاء وعلى النحو الذي يشاء. لأنه يمتلك شيئاً ثميناً يُفقدنا العلمُ إياه. الدهشة. والدهشةُ أصلُ الفرح ومصدر الإبداع الأكبر. لذلك الأطفال مبدعون كبار في أسئلتهم وفي رسومهم وفي ركضهم وراء فراشة أو ضفدع. فالطفلةُ التي سألت الله عن الحدود بين الدول، لا تفهم معنى كلمة احتلال، ولا إمبراطوريات. ولا تعرف من هو سير مارك سايكس أو مسيو جورج بيكو، ولا آرثر بلفور ووعوده. وحُكماً هي بريئة من دم الهندي الأحمر الذي تدوس قدماها رفاته كل يوم وهي في طريقها إلى المدرسة. هنا بعض هذه الرسائل ترجمتُها إذ أراها قطعا من الشعر الصافي.

عزيزي الله،
في المدرسة يخبروننا أنك تفعل كلّ شيء. مَن الذي يقوم بمهامك يوم إجازتك؟ جين

عزيزي الله،
هل فعلاً كنت تقصد أن تكون الزرافة هكذا، أم حدث ذلك نتيجة خطأ ما؟ نورما

عزيزي الله،
بدلاً من أن تجعل الناس يموتون، ثم تضطر لصناعة بشر جديدين، لماذا لا تحتفظ وحسب بهؤلاء الذين صنعتهم بالفعل؟ جين

عزيزي الله،
مَن رسم هذه الخطوط على الخريطة حول الدول؟ نان

عزيزي الله،
قرأتُ الإنجيل. ماذا تعني كلمة "ينجب"؟ لم يجبني أحد. مع حبي، آليسون

عزيزي الله،
هل أنت فعلاً غير مرئي، أم أن هذه حيلة أو لعبة؟ لاكي

عزيزي الله،
من فضلك أرسلْ لي حصاناً صغيراً. ولاحظ أني لم أسألك أيّ شيء من قبل، وتستطيع التأكد من ذلك بالرجوع إلى دفاترك. بروس

عزيزي الله،
ذهبت إلى حفل الزفاف هذا، ورأيتهم يقبّلون بعضهما في الكنيسة. هل هذا جائز؟ نيل

عزيزي الله،
هل حقاً تعني ما قلته: رُدَ للآخرين ما أعطوك إياه؟ لأنك لو تعني ذلك فسوف أعيد لأخي ركلتَه. دارتا

عزيزي الله،
ماذا يعني أنك ربٌّ غيور؟ كنتُ أظنُّ أن لديك كل شيء. جين

عزيزي الله،
شكراً على أخي المولود الذي وهبتنا إياه أمس، لكن صلواتي لك كانت بخصوص جرو! هل حدث خطأ ما؟ جويس

عزيزي الله،
لقد أمطرتْ طيلة الإجازة. وجنّ جنون أبي! فقال بعض الكلمات عنك مما ينبغي ألا يقولها الناس، لكنني أرجو ألا تؤذيه بسبب ذلك على كل حال. صديقك... (عفواً لن أخبرك عن اسمي)

عزيزي الله،
لماذا "مدرسة الكنيسة" يوم الأحد؟ كنت أظنُّ أن الأحد هو يوم إجازتنا. توم ل.

عزيزي الله،
إذا كنا سنعود من جديد في هيئات أخرى، من فضلك لا تجعلني جانيفر هورتون لأنني أكرهها. دينيس

عزيزي الله،
إذا أعطيتني المصباح السحري مثل علاء الدين، سوف أعطيك بالمقابل أي شيء تطلبه، ما عدا فلوسي ولعبة الشطرنج خاصتي. رفائيل

عزيزي الله،
شقيقي فأر صغير. كان يجب أن تمنحه ذيلاً. ها ها.. داني

عزيزي الله،
قابيل وهابيل ربما ما كانا ليقتلا بعضهما البعض لو أن أباهما أعطى لكل منهما غرفة مستقلة. لقد جرّبنا ذلك ونفع هذا الأمر مع شقيقي. لاري

عزيزي الله،
أحب أن أكون مثل أبي عندما أكبر، لكن ليس بكل هذا الشعر في جسده. سام

عزيزي الله،
ليس عليك أن تقلق عليّ كثيراً. فأنا أنظر للجهتين دائماً حين أعبر الطريق. دين

عزيزي الله،
أظن أن دبّاسة الأوراق هي أحد أعظم اختراعاتك. روث م.

عزيزي الله،
أفكر فيك أحياناً، حتى حين لا أكون في الصلاة. إيليوت

عزيزي الله،
أراهن أن ليس بوسعك أن تحب جميع البشر في العالم. يوجد أربعة فقط في أسرتي ولم أستطع أن أفعل ذلك. نان

عزيزي الله،
بين كل البشر الذين عملوا من أجلك، أحبُّ أكثرهم نوح وداود. روب

عزيزي الله،
إذا شاهدتني يوم الأحد في الكنيسة، سوف أريك حذائي الجديد. ميكي دي

عزيزي الله،
أود أن أعيش 900 عام مثل ذلك الرجل في الإنجيل. مع حبي، كريس

عزيزي الله،
قرأتُ أن توماس إديسون اخترع اللمبة. وفي المدرسة يقولون إنك من صنع النور. أراهن أنه سرق فكرتك. المخلصة، دونّا

عزيزي الله،
الأشرار سخروا من نوح: "تصنع سفينةً فوق الأرض الجافة أيها الأحمق!" لكنه كان ذكيّاً، كان ملتصقاً بك. هذا ما سوف أفعله أيضاً. إيدين

عزيزي الله،
لم أكن أصدق أن اللون البرتقالي يمكن أن يتماشى جمالياً مع اللون الأرجواني، حتى شاهدت غروب الشمس الذي صنعتًه يوم الثلاثاء. كم كان ذلك جميلاً. إيوجين

عزيزي الله،
لا أعتقد أن ثمة من يمكن أن يكون ربّاً أفضل منك. حسناً، فقط أريدك أن تعرف أنني لا أقول ذلك لأنك أنت الربُّ بالفعل. تشارلز


الثلاثاء، 25 نوفمبر، 2014

برتقالي؟

ليالي الرمحي - 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2014

أكيد سمعت وأكيد مرقت على اشي فاقع هيك برتقالي، والإشاعة مزبوطة، في يوم عالمي لنبذ #‏العنف_ضد_المرأة، تخيل!

الموضوع مش شعارات رنانة ولا يتعلق بالمساواة، الموضوع مش مقاس بالكتلة العضلية وتسارع ضربات القلب ولا نظرة #‏أردوغان  اللي حصر المرأة بالأم بس!

#‏المساوة  مانشيت عريض وأكيد في #‏حافظ_مش_فاهم!

بس لسه بنشوف للأسف نساء وأطفال وبنات صغار بتتربى تحت التعنيف وبتتعرض للإهانات، لدرجة إنها بطلت تميز إنها غلط تحكي "ما إلي دور بالمجتمع ولا إلي دخل" وبسخرية بتحكي "طيب ليش ما في يوم للرجل!"،

إنتي ما حد بسمعك! حكي ما بركب على عقل ولا دين!
إنتَ وإنتي مميزين، وبتكونوا بألف نعمة إذا ما بتعرفوا إنه لسه في #‏عنف_أسري!

أو بتسمع وحدة بتبررلك إنه أنا غلطانة! "كان تعبان ضربني بس هو حرام بحبني!" موجودة وبشدة، وفي مجتمعك المخملي بتنضرب وبتسكت، وبتبرر لأنها خايفة من المجتمع، من حكي الناس اللي أكيد بحكيلها معلش وطايش وأولادك.. هيك بتهدمي بيتك وبتصيري .... "مطلقة"!

الدين شرّع الطلاق، فبأي حق تحرمه!

لما نعيش بزمن رجع فيه سوق الجواري والعبيد والسبايا وجهاد النكاح، فأكيد #‏الدنيا_غابة ولسه في قوانين زي المادة 308 للعفو عن المغتصب، تبرئ المذنب بجريمة إنسانية أبشع من الاغتصاب من خلال تزويجه بالضحية!

أكيد لازم نوقف ونحكي! لما نستعبد العاملات في المنازل، ولما لازم أمثّل إنني غبية عشان أنال لقب #‏أنثى؛ ... إذاً أكيد لازم يكون في #‏اليوم_العالمي_للقضاء_على_العنف_ضد_المرأة.


ليالي الرمحي (تويتر) @lramahi